وقد افتقر الجهاد الشعبي في هذه المرحلة إلى الفكر الجهادي والرؤية السياسية الواضحة للأحداث والصراعات المحيطة به فكان عرضة للاستغلال من قبل الأعداء الصليبيين أنفسهم عن طريق إسقاط ثمرة الجهاد في أيدي عملائهم المحليين فكأنهم خرجوا من باب ودخلوا من آخر! فمن قلب جزيرة العرب خرجت جماعة (إخوان من طاع الله) والتي لم تكن تفتقر إلى الرؤية الشرعية الصحيحة بل كان الخلل في تصورها السياسي لطبيعة النظام الحاكم في الرياض، فكانت رأس حربة في حروب الإمام المزعوم عبدالعزيز بن سعود الذي لم يجد صعوبة في التخلص من الجماعة في معركة السبلة عام 1347 للهجرة بعد أن انتهت مهمتها بالنسبة له، وهكذا كان الحال بصورة أو بأخرى في بقية البلدان الإسلامية، وقد خرج المستعمر من هذه المرحلة بفكرة واضحة أن قوة المسلمين تكمن في عقيدتهم الإسلامية ومدى تمسكهم بها، ولذا فقد عقد العزم على مسخ هذه العقيدة بكل ما أوتي من قوة وقد أوكل لعملائه من بعده إنجاز هذه المهمة.
جذور هذه المرحلة تمتد وتستند إلى أفكار سيد قطب رحمه الله عن الجهاد والحاكمية والتمايز عن الكفر والمفاصلة عن الجاهلية والتي استمدها من المودودي رحمه الله، فبدأت ولأول مرة تظهر سمات فكرية مميزة وواضحة للحركات الجهادية التي آمنت بأن العقبة الأولى أمام عودة الإسلام الحقيقي للمسلمين ورفع الظلم عنهم هي بإزاحة هذه الأنظمة العميلة التي زرعها العدو قبل رحيله، كما قال سيد قطب عند إعلان انسحاب القوات البريطانية من مصر (خرج الإنجليز الحمر وبقي الإنجليز السمر!)
ويجب التأكيد هنا على أننا نتتبع جذور مسار الخط الجهادي الذي يحمل شعلة الجهاد العالمي اليوم والذي بات يعرف باسم (السلفية الجهادية) ولا نقصد أي جماعات مشوهة الفكر والتصور كحركة حماس وجبهة مورو الإسلامية وغيرها وإن كانت تنطلق وتمتد من نفس الجذور التاريخية، فكتب الإمام سيد قطب قد ترجمت إلى العديد من اللغات واعتمدتها الكثير من الجماعات الإسلامية على مختلف أنواعها من الشرق إلى الغرب، ولكنها لم تلاق القالب المناسب لها إلا عند أصحاب المنهج السلفي في اتباع الكتاب والسنة، فأنتج هذا التزاوج الفكري مقاتلين (عقائديين) أخذوا على عاتقهم مقارعة العدو القريب والمتمثل في الحكام المرتدين المبدلين لشرع الله، منطلقين من قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} فتفجرت نتيجة لذلك سلسلة من الحركات والتنظيمات الجهادية في شتى بلدان المسلمين، وكانت كما رصدها الشيخ أبو مصعب السوري حفظه الله في كتابه (سرايا المقاومة) كالتالي: