يناقش هذا: بما تقدم [1] من أن المقصود من الفلوس ماليتها وثمنيتها لا عينها وذاتها، وفي حال الرخص تضعف المثلية المعنوية، وإن بقيت المثلية الصورية. ولهذا لا يمكن الجزم بأن رد مثل الفلوس للدائن بعد رخصها رد للمثل التام الكامل؛ لفوات المثلية المعنوية. ومما يجب اعتباره في المثل (( اعتبار ما فيه من المعاني التي تزيد بها القيمة، فيرد ما يجمع تلك كلها حتى لا يفوت عليه شيء ) ) [2] . فإذا تعذر ذلك فالمقدم هو المثلية المعنوية, فتجب القيمة ضرورة؛ لفوات المثلية المعنوية. ولأن المثلي يضمن بالقيمة إذا تعذر [3] .
ثالثاً: أن إيجاب القيمة لرخص النقود الاصطلاحية الفلوس يفضي إلى فتح باب الربا [4] ؛ لأنه اعتياض عن الدين بأكثر منه.
يناقش هذا بما يأتي:
الأول: أن علة منع الربا في الأموال الربوية هي ما فيه من الظلم وأكل المال بالباطل، فإن الزيادة التي يأخذها رب الدين يأخذها على غير عوض [5] . وإيجاب رد القيمة لرخص النقود الاصطلاحية الفلوس ليس من ذلك؛ أما على قول الجمهور فانتفاء الربا في رد القيمة واضح؛ لأن الفلوس ليست من أموال الربا كما تقدم. وأما على القول بأنها ربوية فإن تقديرها يكون من غير جنسها، وعند ذلك ينتفي محذور
(1) ص (117) .
(2) تحفة المحتاج (5/ 24) .
(3) ينظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 120) .
(4) ينظر: تكملة شرح فتح القدير (9/ 328) ، أحكام الأوراق النقدية والتجارية ص (560) ، النقود وظائفها الأساسية وأحكامها الشرعية ص (497) .
(5) ينظر: مجموع الفتاوى (20/ 341،250، 29/ 419) ، إعلام الموقعين (1/ 387) ، الموافقات (4/ 40) .