والدنانير يوم قضاء الدين ووفائه، لا يوم ثبوت الدين، حيث اشترط في وفاء الدين أن يكون بسعر يوم القضاء.
ثانياً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوّم [1] الإبل في الدية على أهل القرى [2] فإذا غلت رفع في قيمتها، وإذا رخصت نقص في قيمتها [3] .
وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأصل في الدية الإبل، وأن الدنانير والدراهم مأخوذان عنها على أنهما قيمة لها، وهذا يدل (( على أهمية اعتبار السلع الأساسية، وجعلها معياراً يرجع إليه عند التقويم ) ) [4] .
يناقش هذا بما يأتي:
الأول: أن جمهور العلماء من الحنفية [5] ، والمالكية [6] ، والحنابلة في المشهور [7] ، يرون أن الذهب والفضة أصلان في الدية، وليسا بدلاً عن الإبل.
يجاب على هذا: بعدم التسليم، وأن الأصل في الدية هو الإبل فقط، وما عداها من الذهب والفضة وغيرهما أبدال. كما هو مذهب الشافعية [8] ، ورواية عن أحمد [9] ، وقول ابن حزم من الظاهرية [10] .
الثاني: أن الحديث لا يدل على جعل السلع الأساسية معياراً يرجع إليه عند التقويم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأصل في الدية الإبل، فإذا أعوزت فلا بد من تقويمها لئلا يضيع حق المجني عليه أو ورثته. ويمكن أن يقال: إن جعل الإبل هي الأصل في الدية؛ لأنها أكثر أموال العرب وأشرفها.
ثالثاً: أن العدل أصل واجب في جميع المعاملات؛ لأنه لا يمكن أن تستقيم للناس معاملاتهم إلا به، ولذلك فإن جميع ما جاء النهي عنه من المعاملات في الكتاب والسنة يعود في الحقيقة إلى إقامة العدل [11] . وربط المدفوعات المؤجلة بمستوى الأسعار وسيلة وأداة لتحقيق ذلك، ومن القواعد: أن الوسائل لها أحكام
(1) التقويم: يقدِّر قيمتها.
[ينظر: مغني المحتاج (4/ 419) ، المطلع على أبواب المقنع ص (403) ، التقويم في الفقه الإسلامي ص (33 - 35) ] .
(2) القرى جمع قرية، وهي المدن والأمصار وسميت بذلك الاسم لأنها الموضع الذي يجتمع فيه الناس. وأهل القرى يقابلهم أهل البادية.
[ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد (3/ 348) ، مفردات القرآن ص (669) ] .
(3) رواه أبو داود، كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، رقم (4564) ، والنسائي في كتاب القسامة، رقم (4805) . كلاهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولفظه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوِّم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق يقوِّمها على أثمان الإبل فإذا غلت رفع في قيمتها وإذا هاجت رخصاً نقص من قيمتها.
وقال عنه ابن الملقن ~ في تحفة المحتاج (2/ 455) : رواه أبو داود ولم يضعفه، وقال عنه في خلاصة البدر المنير (2/ 271) : (( رواه الشافعي وأبوداود وابن ماجه والبيهقي بإسناد فيه مقال ) ). وقد ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، ولم يتكلم عليه بشيء (4/ 54) .
(4) قاعدة المثلي والقيمي في الفقه الإسلامي ص (221) . ينظر: تغير القيمة الشرائية للنقود الورقية ص (294) .
(5) ينظر: المبسوط (26/ 77) ، تبيين الحقائق (6/ 126 - 127) .
(6) ينظر: الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار (25/ 10 - 19) ، حاشية الدسوقي (4/ 266 - 267) .
(7) ينظر: الفروع (6/ 16) ، الإنصاف (10/ 58) .
(8) ينظر: البيان للعمراني (11/ 491) ، روضة الطالبين (9/ 255) .
(9) ينظر: الفروع (6/ 16) ، الإنصاف (10/ 58) .
(10) ينظر: المحلى (10/ 286) .
(11) ينظر: بداية المجتهد (2/ 126، 215) ، مجموع الفتاوى (28/ 385، 29/ 283) .