الثاني: أن الربط بمستوى الأسعار يحصل به التظالم الذي نهى عنه الله تعالى في آيات الربا في قوله تعالى: {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [1] ؛ لأن المدين يرد بالربط أكثر من رأس ماله [2] .
يجاب: بأن هذه الزيادة ليس فيها ظلم للمدين؛ لأنها لا تلزمه بأكثر مما أخذ حقيقة من حيث القيمة، كما أنها تدفع عن الدائن ما قد يقع عليه من الظلم بسبب نقص قيمة النقود، فالدائن لم يأخذ إلا رأس ماله قيمة، وإن كان قد يزيد صورة وعدداً.
رابعاً: أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة [3] ، فلا (( يحرم على الناس من المعاملات التي يحتاجون إليها إلا ما دل الكتاب والسنة على تحريمه ) ) [4] ، ولا دليل على تحريم الربط القياسي بمستوى الأسعار، فيبقى على الأصل [5] ، كما أن الحاجة داعية إليه، وذلك لما تتسم به النقود الورقية من كثرة التذبذب والتقلب وحدّتها وكثرة المداينات [6] .
يناقش هذا: بما يأتي من أدلة القائلين الدالة على عدم جواز ربط المدفوعات المؤجلة بمستوى الأسعار.
يجاب على هذا: بما سأذكره في مناقشة أدلة القائلين بعدم جواز ربط المدفوعات المؤجلة بمستوى الأسعار.
خامساً: أن عدم الأخذ بالربط يفضي إلى امتناع الناس عن المداينات وكذا القروض [7] ؛ لأن عدم الربط في حال التضخم يسبب نقص القيمة التبادلية للنقود لا سيما في الديون والقروض الطويلة الأجل.
يناقش هذا: بأن القرض عقد إرفاق وقربة وإحسان، ليس مقصوده المعاوضة والربح [8] ، ولذلك لا ينظر إلى هذا النقص في قيمة النقود.
يجاب عن هذا: بأن القول بالربط لا يخرج القرض عن هذا الوصف؛ لأنه ليس الغاية منه الربح والتكسب، بل غاية الربط ومقصوده رد مثل ما اقترض حقيقة لا صورة.
سادساً: إن عدم الربط بمستوى الأسعار مع وجود الاضطراب في قيمة النقود الشرائية التبادلية سيفضي إلى تعميق الخلاف بين أرباب الأعمال من جهة وبين الأجراء والعمال من جهة أخرى، وهذا سيؤدي إلى نشوء احتقان في سوق العمل يظهر في مطالبة العمال والجهات الراعية لهم بزيادة الأجور مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة، وسيواجه ذلك من أصحاب الأعمال بمحاولة الامتناع من ذلك من خلال عدة طرق إما بالبحث عن أيدٍ عاملة تقبل بأجور منخفضة أو بتسريح العمالة للتخفيف من ضغط الأجور والمطالبة بالزيادة أو غير ذلك من الطرق [9] . فإن لم يمكن أصحاب الأعمال التخلص من الضغوط العمالية المطالبة بزيادة الأجور
(1) سورة البقرة، من آية: (279) .
(2) ينظر: تغير القيمة الشرائية للنقود الورقية ص (330) ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي (5/ 3/1836) .
(3) ينظر: الفصول في الأصول للجصاص (3/ 252 - 254) ، نشر البنود شرح مراقي السعود ص (20) ، غياث الأمم في التياث الظلم ص (492) ، شرح مختصر الروضة (1/ 399) .
(4) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (28/ 386) .
(5) ينظر: تغير القيمة الشرائية للنقود الورقية ص (329) ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي (8/ 3/787) .
(6) ينظر: الجامع في أصول الرباص (246) .
(7) ينظر: ربط الحقوق والالتزامات الآجلة بتغير الأسعار، وقائع ندوة عام 1407 هـ ص (190) .
(8) ينظر: أسنى المطالب (2/ 142) ، المنثور في القواعد (3/ 155) ، الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية (6/ 60) .
(9) ينظر: التحليل الاقتصادي لظاهرة التضخم النقدي (1/ 188 - 190) .