فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 498

ثانياً: استدلالهم على عدم جواز التسعير بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من التسعير وجعله مظلمة.

يناقش هذا: بأنه لا يصح الاستدلال بهذا على منع التسعير, وذلك أن (( هذه قضية معينة ليست لفظاً عاماً ) ) [1] ، ومعلوم أن قضايا الأعيان [2] لا عموم لها ولا حجة فيها إلا في مثلها. وعليه فلا يصح الاستدلال بامتناع النبي - صلى الله عليه وسلم - من التسعير في هذه الحادثة على منعه مطلقاً، إذ يجوز أن يكون امتناعه من التسعير؛ لسبب اقتضاه أو لاستحسان رآه، فلعل النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من التسعير وجعله مظلمة لما طلب منه؛ لأنه لم يمتنع أحد من بيع يجب عليه أو أنه لم يطلب أحد في بيع يجب عليه أكثر من عوض المثل. فالأحاديث (( ليس فيها أن أحداً امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه; أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل. ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به العادة، ولكن الناس تزايدوا فيه، فهنا لا يسعَّر عليهم، والمدينة كما ذكرنا إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالباً من الجلب [3] ; وقد يباع فيها شيء يزرع فيها; وإنما كان يزرع فيها الشعير; فلم يكن البائعون ولا المشترون ناساً معينين; ولم يكن هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله; ليجبر على عمل أو على بيع ... ، وكان إكراه البائعين على أن لا يبيعوا سلعهم إلا بثمن

(1) مجموع الفتاوى (28/ 95) .

(2) قضية العين: هي الأحاديث النبوية التي ترد في وقائع وأحوال مجملة متشابهة تتطرق إليها الاحتمالات وليس فيها لفظ عام، فتخرج بذلك عن إفادة العموم.

[ينظر: المستصفى (1/ 29) ، إعلام الموقعين (2/ 360) ، إجابة السائل شرح بغية الآمل (1/ 122) ] .

(3) الجَلَبُ: الذين يَجْلِبُون الإِبل والغنم للبيع. ويطلق على ما جُلِبَ من خيل وإبل ومتاع. فهو الذي يُجْلَبُ من بلد إلى غيره.

[ينظر: لسان العرب، مادة (جلب) (1/ 268) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت