ويستمر على حالة واحدة, ولا يقوّم هو بغيره ; إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض, فتفسد معاملات الناس, ويقع الخلف, ويشتد الضرر, كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تُعدُّ للربح فعمَّ الضرر وحصل الظلم, ولو جعلت ثمناً واحداً لا يزداد ولا ينقص بل تقوّم به الأشياء ولا تقوّم هي بغيرها لصلح أمر الناس )) [1] .
وقال البهوتي ~: (( ينبغي للسلطان أن يضرب لهم أي: الرعايا فلوساً تكون بقيمة العدل في معاملاتهم من غير ظلم لهم؛ تسهيلاً عليهم, وتيسيراً لمعاشهم، ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس, بأن يشتري نحاساً فيضربه فيتجر فيه؛ لأنه تضييق ) ) [2] .
وقد نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية ~ في كلام له عما يجب مراعاته في ضرب الفلوس إلى أن إصدار النقود يجب أن يكون استجابة لحاجة الأمة ومصلحتها، لا لجني الأرباح من إصدارها أو الاتجار بها فقال: (( فإن الفلوس النافقة يغلب عليها حكم الأثمان وتجعل معيار أموال الناس. ولهذا ينبغي للسلطان أن يضرب لهم فلوساً تكون بقيمة العدل في معاملاتهم ; من غير ظلم لهم. ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس أصلاً; بأن يشتري نحاساً فيضربه فيتجر فيه ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التي بأيديهم ويضرب لهم غيرها; بل يضرب ما يضرب بقيمته من غير ربح فيه; للمصلحة العامة ويعطي أجرة الصناع من بيت المال. فإن التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل; فإنه إذا حرم المعاملة بها حتى صارت عرضاً وضرب لهم فلوساً أخرى أفسد ما عندهم من الأموال بنقص أسعارها فيظلمهم فيها وظلمهم فيها بصرفها بأغلى من سعرها. وأيضاً فإذا اختلفت مقادير الفلوس صارت
(1) إعلام الموقعين (2/ 137) .
(2) كشاف القناع (2/ 233) .