ابن تيمية فيما يجب على ولاة الأمر مراعاته في إصدار النقود وأنه لا يجوز أن يتجر ذو السلطان في الفلوس؛ بل الواجب أن يراعى في الضرب المصلحة العامة. وذلك لإن التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل. وما قاله يتأكد مراعاته في النقود المعاصرة لسهولة إصدارها، وكبير ربحها مما يغري الجهات المصدرة بالتوسع في إصدارها [1] .
ومما يدل على صحة هذه الأصول في الإصدار النقدي وجوب مراعاتها ما يأتي:
أولاً: أن التوسع في إصدار النقود دون تنظيم وضبط من التطفيف الذي نهى الله - عز وجل - عنه وتوعد أهله في مثل قوله - عز وجل: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [2] ، إذ التطفيف هو نقص الشيء وتقليله، وهو ضد التوفية [3] ، فلا يقتصر ذلك على نقص الكيل والوزن، فلكل شيء وفاء وتطفيف [4] .
أما وجه كون التوسع في الإصدار النقدي وعدم تنظيمه تطفيفاً فذلك أن إصدار وحدات جديدة من النقود دون أن يصاحبها زيادة في إنتاج السلع والخدمات يفضي إلى نقص قيمة النقود التبادلية ويضعف قوتها الشرائية؛ حيث تزيد كمية عرض النقود، وهذا تطفيف لقيمة ما بأيدي الناس من وحدات النقد [5] .
ثانياً: أن التوسع في إصدار النقود دون تنظيم وضبط بخس لأموال الناس
(1) ينظر: آثار التضخم على العلاقات التعاقدية ص (15) .
(2) سورة المطففين، آية: (1) .
(3) ينظر: معجم المقاييس في اللغة، مادة (طف) ، ص (616) ، الدر المصون للسمين الحلبي (10/ 715) .
(4) قال الإمام مالك ~: ويقال: لكل شيء وفاء وتطفيف. ذكره في الموطأ (1/ 12) .
(5) ينظر: الاقتصاد الكلي النظرية المتوسطة للدكتور نصر ص (621 - 630) ، النقود والبنوك والأسواق المالية للدكتور الزامل ص (242 - 245) .