فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 498

أما أول من كتب في جواز وضع الوظائف فيما وقفت عليه فأبو المعالي الجويني [1] في كتابه غياث الأمم في التياث الظلم، فإنه قال في بحثه لهذه المسألة: (( لست أحاذر إثبات حكم لم يدونه الفقهاء ولم يتعرض له العلماء فإن معظم مضمون هذا الكتاب لا يلفى مدوناً في كتاب ولا مضمناً في لباب ... ) ) [2] . ثم قال: (( فليكن الكلام في الأموال، وقد صَفِرَ [3] بيت المال واقعة لا يعهد فيها للماضين مذهباً، ولا يحصل لهم مطلباً، ولنجر فيه على ما جرى عليه الأولون إذ دفعوا إلى وقائع لم يكونوا يألفوها، ولم ينقل لهم مذاهب، ولم يعرفوها، وإذا استد النظر استوى الأول والآخر ) ) [4] . وهذا يتضح منه بجلاء أن الجويني لم يقف في ذلك على كلام لمن تقدمه من أهل العلم.

وقد وافق الغزالي [5] الجويني في جواز وضع الوظائف إذا اضطر بيت المال إلى ذلك فقال ~: (( أما إذا خلت الأيدي من الأموال ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة [6] في بلاد الإسلام, فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند ... ; لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين. وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور ) ) [7] .

وقد تبع الشاطبي [8] الغزالي في ذلك، فقال ~: (( إنا إذا قررنا إماماً مطاعاً مفتقراً إلى تكثير الجنود؛ لسد الثغور وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم، فللإمام إذا كان عدلاً أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافياً لهم في الحال إلى أن يظهر مال بيت المال ) ) [9] . وقد قرر الشاطبي ذلك على نحو ما ذكر الغزالي، ثم قال: (( وهذه المسألة نص عليها الغزالي في مواضع من كتبه ) ) [10] . وقد اشتهرت الفتوى بذلك عن جماعة من فقهاء المالكية [11] .

أما فقهاء الحنفية فقد ذكر بعض متأخريهم [12] ، جواز التوظيف؛ لتجهيز

(1) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، يلقب بإمام الحرمين، من كبار أئمة الشافعية، فقيه، أصولي، متبحر، له مصنفات عديدة منها: البرهان في أصول الفقه، توفي سنة (478 هـ) .

[ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (5/ 165) ، وفيات الأعيان (2/ 341) ] .

(2) ص (266) .

(3) صَفِرَ من باب طرب، فهو صَفِرٌ، وأَصْفَر الرجل فهو مُصْفَرٌّ، أي: افتقر.

[ينظر: مختار الصحاح (1/ 153) ] .

(4) ص (267) .

(5) محمد بن محمد الغزالي، أبوحامد، من كبار فقهاء الشافعية، أصولي، متفنن، له مصنفات عديدة منها: المنخول، الوسيط، إحياء علوم الدين، توفي سنة (505 هـ) .

[ينظر: طبقات الشافعية الكبرى (5/ 165) ، طبقات فقهاء الشافعية (1/ 249) ] .

(6) العرامة: هي الجهل والفتن والشراسة.

[ينظر: لسان العرب (12/ 395) ، تهذيب الأسماء واللغات (3/ 2/17) ] .

(7) المستصفى (1/ 303 - 304) . ينظر: شفاء الغليل للغزالي ص (234) .

(8) إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي، أبو إسحاق، الشهير بالشاطبي، فقيه، أصولي، له مصنفات جليلة منها: الموافقات، توفي سنة (790 هـ) .

[ينظر: نيل الابتهاج بتطريز الديباج ص (46) ، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص (231) ] .

(9) الاعتصام (2/ 619) .

(10) الاعتصام (2/ 620) .

(11) ينظر: المعيار المعرب (11/ 132 - 133) ، كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى (3/ 7 - 9) .

(12) ينظر: شرح العناية على الهداية (7/ 221 - 222) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت