بالرفع من حيث المعني، نعم لاشك من حيث الرواية توجد فائدة ولو ما يأتي إلا أن الإنسان يعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نطقها بهذا الإعراب أو بذاك واستنباط الفوائد من الحديث بناء علي هذه الرواية الصحيحة، لكن من حيث الأحكام لا يوجد أي فائدة؛ لأنه ثبت النهي عن كل منهما علي حده، إذا عرفنا الآن مسألة التقسيم بين هذه الروايات.
2)من فوائد الحديث: (معرفة حكم الماء الجاري القليل) ؛ لأن مفهوم الحديث أن الماء الجاري القليل لا تؤثر عليه النجاسة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم أي لأنه سيؤثر علي الماء الدائم، أما الماء الجاري فإنه لن يؤثر عليه، وهذا المفهوم يتناول الماء الجاري القليل والماء الجاري الكثير، فدل الحديث علي أن الماء الجاري ولو كان قليلًا لا تؤثر عليه النجاسة، لكن عموم هذا المفهوم يعارضه عموم مفهوم حديث القلتين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا بلغ الماء قلتين فإنه لا يحمل الخبث، مفهوم هذا أنه إذا بلغ الماء أقل من قلتين فإنه يحمل الخبث ولو كان جاريا؛ لأن الحديث (أي حديث القلتين) [1] لم يفرق بين الجاري والراكد، إذا الآن صار عندنا تعارض بين عموم مفهوم، وعموم مفهوم فنحتاج أيضا إلي مرجح خارجي، والمرجح الخارجي هنا يرجح عموم مفهوم (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم) فالماء الجاري ولو كان قليلًا لا يتأثر، والمرجح هو أيضا حديث أبي سعيد الخدري (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) ، فإن هذا العموم يقوي عموم مفهوم حديث أبى هريرة الذي معنا، ويرجحه أيضًا أن هذا الحديث في الصحيحين وحديث القلتين مختلف في ثبوته، عرفنا إذا الآن حكم الماء الجاري إذا كان قليلًا.
أما حكم الماء الجاري إذا كان كثيرًا فهو واضح، لأنه يدل علي طهارته مفهوم هذا الحديث، ومفهوم حديث القلتين.
3)من فوائد الحديث: مسألة مهمة وهي أن الماء إذا استعمل في طهارة فإنه يصبح طاهرًا غير مُطهر.
وجهه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهي عن الاغتسال في الماء الدائم، ولا يعرف لهذا معنى إلا أن الاغتسال في الماء الدائم يخرج هذا الماء من الطهورية إلي أن يصبح طاهرًا، وأيدوا هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتوضأ الإنسان بفضل المرأة؛ لأن وضوء المرأة بفضلها أخرج الماء عن الطهورية.
-القول الثاني: أن الماء المستعمل في طهارة شرعية يبقى طهورًا إذا لم يتغير بنجاسة واستدل هؤلاء بأدلة:
••الدليل الأول: ما أخرجه الإمام مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل بفضل ميمونة.
••الدليل الثاني: ما أخرجه الإمام البخاري أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن المعلوم - كما قال ابن عبد البر- (أنه إذا توضؤوا جميعًا فكل واحد متوضئ بفضل الآخر) .
••الدليل الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال"إن الماء طهور لا ينجسه شيء".
وأجاب أصحاب هذا القول عن استدلال أصحاب القول الأول بأن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم ليس لكونه نجسًا، وإنما لعلة أخرى وهي خشية أن يكثر هذا فيؤدي إلى إفساد الماء على الناس , أو خشية أن يستقذر الناس الماء وإن لم يفسده هذا المغتسل، والقاعدة الشافعية: (أن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال)
-والراجح: القول الثاني وهذه المسألة الخلاف فيها أسهل من الخلاف في المسألة السابقة، فالمسألة السابقة الحقيقة أنه في إشكال كبير، المهم أن الراجح هو هذا.
4)من فوائد الحديث:
-أنه إذا اغتسل الإنسان من غير جنابة للتبرد أو النظافة فإنه جائز ولا بأس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهي أن يغتسل الجنب فغيره ليس كذلك.
(1) ما بين القوسين تم نقله هنا لمناسبته.