* عن حصين أن أميرًا أعطى زبيدًا - بن الحارث الايامي - دراهم، فلم يقبلها زبيد.
* عن عاصم قال: كان أبو وائل - شقيق بن سلمة - يقول لجاريته: يا بركة، إذا جاء يحي ـ يعني: ابنه ـ بشيء، فلا تقبليه؛ وإذا جاءك أصحابي بشيء فخذيه؛ قال: وكان يحي ابنه قاضيًا على الكناسة.
* عن يحي بن سليم الطائفي قال: بعث محمد بن إبراهيم الهاشمي إلى سفيان الثوري بمائتي دينار، فأبى أن يقبلها؛ فقلت: يا أبا عبد الله، كأنك لا تراها حلالًا؟ قال: بلى، ما كان آبائي وأجدادي إلا في العطية، ولكن أكره أن أذل لهم.
* عن إسحاق بن موسى الأنصاري قال: دفع إلى المأمون مالًا أقسمه على أصحاب الحديث، فإن فيهم الضعفاء؛ فما بقي منهم أحد إلا أخذ، إلا أحمد بن حنبل، فإنه أبى.
* لما قدم ربيعة على أمير المؤمنين أبي العباس، أمر له بجائزة، فأبى أن يقبلها؛ فأمر له بخمسة آلاف درهم يشتري بها جارية، فأبى أن يقبلها.
* عن البوطي قال: قدم علينا الشافعي مصر، فكانت زبيدة ترسل إليه برزم الوشى والثياب، فيقسمها الشافعي بين الناس.
* عن ابن شوذب قال: قسم أمير من أمراء البصرة على قراء أهل البصرة، فبعث إلى مالك بن دينار، فقبل؛ وأبى محمد بن واسع، فقال: يا مالك، قبلت جوائز السلطان؟ قال: فقال: يا أبا بكر، سل جلسائي؛ فقالوا: يا أبا بكر، اشترى بها رقابًا فأعتقهم؛ فقال له محمد: أنشدك الله، أقبلت الساعة له على ما كان عليه قبل أن يجزيك؛ قال: اللهم لا؛ قال: ترى أي شيء دخل عليك؟ فقال مالك لجلسائه: إنما مالك جمار، إنما يعبد الله مثل محمد بن واسع.
* عن ابن شهاب قال: أصاب أهل المدينة حاجة ـ زمان عبد الملك بن مروان ـ، فعمت أهل البلد، وقد خيل إلي: أنه قد أصابنا أهل البيت من ذلك، ما لم يصب أحدًا من أهل البلد، وذلك لخبرتي بأهلي؛ فتذكرت، هل من أحد أمت إليه برحم، أو مودة؟ أرجو إن خرجت إليه: أن أصيب منه شيئًا، فما علمت من أحد أخرج إليه؛ ثم قلت: إن الرزق بيد الله، ثم خرجت، حتى قدمت دمشق، فوضعت رحلي، ثم غدوت إلى المسجد، فعمدت إلى أعظم مجلس رأيته في المسجد، وأكثره أهلًا، فجلست إليه؛ فبينما نحن على ذلك، إذ خرج رجل من عند عبد الملك بن مروان، كأجسم الرجال، وأجملهم، وأحسنهم هيئة؛ فأقبل إلى المجلس الذي أنا فيه، فتحثحثوا له، أي: أوسعوا، فجلس؛ فقال: لقد جاء أمير المؤمنين اليوم كتاب، ما جاءه مثله منذ استخلفه الله؛ قالوا: ما هو؟ قال: كتب إليه عامله بالمدينة: هشام بن إسماعيل، يذكر أن إبنًا لمصعب بن الزبير إبن أم ولد مات، فإرادت أمه أن تأخذ ميراثها فيه، فمنعها عروة بن الزبير، وزعم أنه لا ميراث لها؛ فتوهم أمير المؤمنين، في ذلك حديثًا سمعه من سعيد بن المسيب يذكره، عن عمر بن الخطاب، في العالمين الأولاد، لا يحفظ أمير المؤمنين ذلك الحديث. قال ابن شهاب: أنا أحدثكم، فقام إلي قبيصة، حتى أخذ بيدي، ثم خرج بي، حتى دخل الدار على عبد الملك، ثم جاء إلى البيت الذي فيه عبد الملك؛ فقال: السلام عليكم؛ فقال له عبد الملك مجيبا: وعليكم السلام؛ فقال له قبيصة: أندخل؟ قال عبد الملك: أدخل، فدخل قبيصة وهو آخذ بيدي؛ وقال: هذا يا أمير المؤمنين يحدث بالحديث الذي سمعت من ابن المسيب في أمهات الأولاد؛ فقال عبد الملك: إيه؛ قال: فقلت: سمعت سعيد بن المسيب يذكر: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أمر لأمهات الأولاد: أن يقمن في أموال أبنائهن بقيمة عدل، ثم يعتقن؛ فمكث بذلك صدرًا من خلافته، ثم توفي رجل من قريش كان له ابن من أم ولد، قد كان عمر يعجب بذلك الغلام، فمر ذلك الغلام على عمر في المسجد بعد وفاة أبيه بليال، فقال له عمر: ما فعلت يا ابن أخي في أمك؟ قال: فعلت يا أمير المؤمنين خيرًا، خيروني بين أن يسترقوا أمي، أو يخرجوني من ميراثي من أبي، فكان ميراثي من أبي أهون على من أن يسترقوا أمي؛ قال عمر: أو لست، إنما أمرت في ذلك بقيمة عدل، ما أرى رأيًا، ولا آمر أمرًا، إلا قلتم فيه؛ ثم قام فجلس على المنبر، فاجتمع الناس إليه، حتى إذا رضي من جماعتهم، قال: أيها الناس، إني قد كنت أمرت في العالمين الأولاد بأمر قد علمتموه، ثم قد حدث لي ذلك؛ فأيما امرئ كانت عنده أم ولد، فملكها بيمينه ما عاش، فإذا مات، فهي حرة، لا سبيل لأحد عليها. قال عبد الملك: من أنت؟ قال: أنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، قال: أم والله، إن كان لك لأب يغار في الفتنة مؤذيًا لنا فيها، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، قل كما قال العبد الصالح: قال أجل، لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف: من الآية92] . قال: قلت: يا أمير المؤمنين، فرض لي، فإني مقطع من الديوان؛ قال إن بلدك لبلد ما فرضنا لأحد فيها منذ كان هذا الأمر، ثم نظر إلى قبيصة، وأتى وهو قائمًا بين يديه، فكأنه أومأ إليه: أن أفرض له؛ قال: قد فرض لك أمير المؤمنين، قال: قلت: وصلة تصلنا بها يا أمير المؤمنين، فإني والله: لقد خرجت من أهلي، وإن فيهم لحاجة، ما يعلمها إلا الله، ولقد عمت الحاجة أهل البلد؛ قال: قد وصلك أمير المؤمنين، قال: قلت: يا أمير المؤمنين، وخادم تخدمنا، فإني والله، قد تركت أهلي، ما لهم خادم إلا أختي، أنها الآن تخبز لهم، وتعجن لهم، وتطحن لهم؛ قال: وقد أخدمك أمير المؤمنين. قال ابن شهاب: ثم كتب إلى هشام بن إسماعيل مع ما قد عرف من حديثي: أن أبعث إلى ابن المسيب، فأسأله عن الحديث الذي سمعت يحدث في أمهات الأولاد، عن عمر بن الخطاب؛ فكتب إليه هشام بمثل حديثي، ما زاد عنه حرفًا، ولا نقص منه حرفًا.
(9/ 367ـ369)
* عن أبي جعفر بن دريج العكبري قال: طلبت أحمد بن محمد بن حنبل في سنة ست وثلاثين ومائتين، لأسأله عن مسألة، فسألت عنه، فقالوا: خرج يصلي خارجًا، فجلست له على باب الدرب حتى جاء، فقمت فسلمت عليه، فرد علي السلام ـ وكان شيخا مخضوبًا، طوالًا، أسمر، شديد السمرة ـ فدخل الزقاق وأنا معه، أماشيه خطوة بخطوة، فلما بلغنا آخر الدرب، إذا باب يفرج، فدخله، وصار ينظر خلفه، وقال: اذهب عافاك الله، فتثبت عليه، فقال: اذهب عافاك الله؛ قال: فالتفت، فإذا مسجد على الباب، وشيخ مخضوب، قائم، يصلي بالناس، فجلست حتى سلم الإمام، فخرج رجل فسألته عن أحمد بن حنبل، وعن تخلفه عن كلامه؛ فقال: إدعي عليه عند السلطان: أن عنده علويًا، فجاء محمد بن نصر، فأحاط بالمحلة، ففتشت، فلم يوجد شيء مما ذكر، فأحجم من كلام العامة؛ فقلت: من هذا الشيخ؟ قال: عمه إسحاق؛ قلت: فما له لا يصلي خلفه؟ فقال: ليس يكلم ذا، ولا ابنيه، لأنهم أخذوا جائزة السلطان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)