* عن بلال بن سعد قال: زاهدكم: راغبكم، ومجتهدكم: مقصر، وعالمكم: جاهل، وجاهلكم: مغتر.
* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: سفيان الثوري: إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة؛ والأوزاعي: إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث؛ ومالك: إمام فيهما جميعًا.
* عن الشافعي قال: إذا أردت أن تعرف الرجل: أكاتب هو؛ فانظر: أين يضع دواته؛ فإن وضعها عن شماله، أو بين يديه: فاعلم أنه ليس بكاتب.
* عن الشعبي قال: كانت العرب تقول: إذا كانت محاسن الرجل تغلب مساويه: فذلكم الرجل الكامل؛ وإذا كانا متقاربين: فذلكم المتماسك؛ وإذا كانت المساوئ أكثر من المحاسن: فذلكم المتهتك.
* عن ميمون بن مهران قال: شر الناس: العيابون؛ ولا يلبس الكتان: إلا غني، أو غوي.
* عن بلال بن سعد قال: إذا رأيت الرجل: لجوجًا، حماريًا، معجبًا برأيه: فقد تمت خسارته.
* عن أبي مسلم الخولاني قال: العلماء ثلاثة: رجل عاش بعلمه، وعاش الناس معه؛ ورجل عاش بعلمه، ولم يعش الناس معه؛ ورجل عاش الناس بعلمه، وأهلك نفسه.
* عن وهب بن منبه قال: إن من حكمة الله عز وجل: أن خلق الخلق مختلفًا، خلقه ومقاديره.
فمنه خلق: يدوم ما دامت الدنيا، لا تنقصه الأيام، ولا تهرمه.
ومنه خلق: تنقصه الأيام وتهرمه، وتبليه، وتميته.
ومنه خلق: لا يطعم، ولا يرزق.
ومنه خلق: يطعم، ويرزق؛ خلقه الله عز وجل، وخلق معه رزقه.
ثم خلق الله تعالى من ذلك: خلقًا في البر، وخلقًا في البحر؛ ثم جعل رزق ما خلق في البر: من البر، ورزق ما خلق في البحر: من البحر؛ ولا يصلح خلق البر في البحر، ولا خلق البحر في البر؛ ولا ينفع رزق دواب البحر دواب البر، ولا رزق دواب البر دواب البحر؛ إذا خرج ما في البحر إلى البر: هلك؛ وإذا دخل ما في البر إلى البحر: هلك؛ وفي ذلك من خلق الله في البر والبحر عبرة، لمن قد أهمته قسمة الأرزاق والمعيشة.
فليعتبر ابن آدم فيما قسم الله من الأرزاق: أنه لا يكون فيها شئ، إلا كما قسمه بين خلقه، ولا يستطيع أحد أن يغيرها، ولا أن يخلطها؛ كما لا تستطيع دواب البر: أن تعيش بأرزاق دواب البحر؛ ولو تضطر إليه: ماتت كلها؛ ولا تستطيع دواب البحر: أن تعيش بأرزاق دواب البر؛ ولو تضطر إليه: أهلكها ذلك كله؛ فإذا استقرت كل دابة منها فيما رزقت: أحياها ذلك، وأصلحها.
وكذلك ابن آدم: إذا استقر، وقنع بقسمته من رزق الله: أحياه ذلك، وأصلحه؛ وإذا تعاطى رزق غيره، نقصه ذلك، وضره.
* عن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: إني أدركت من الأزمنة زمانًا: عاد فيه الإسلام غريبًا كما بدأ، وعاد وصف الحق فيه غريبًا كما بدأ؛ إن نزعت فيه إلى عالم: وجدته مفتونًا بالدنيا، يحب التعظيم والرياسة؛ وإن نزعت إلى عابد: وجدته جاهلًا في عبادته، مجذوعًا، صريع عدوه إبليس، قد صعد به إلى أعلى سطح في العبادة، وهو جاهل بأدناها، فكيف له بأعلاها؛ وسائر ذلك من الرعاع: فقبيح أعوج، وذئاب مختلسة، وسباع ضارية، وثعالب جارية؛ هذا وصف عيون مثلك في زمانك، من حملة العلم والقرآن، ودعاة الحكمة؛ وذلك: أني لست أرى عالمًا، إلا مغلوبًا على عقله، بعيدًا غور فطنته، لمضرت لأمور دنياه، متبعًا هواه، معجبًا برأيه، شحيحًا على دنياه، سمحًا بدينه، منعزمًا بمذموم القضاء، معانقًا لهواه فيما يرضى، غير منتقل عما يكره الله تعالى منه، بل مستزيدًا من أنواع الفتنة والبلاء، محتملًا شقاء الدنيا بالشهوة، قاسيًا قلبه، عظيمًا غفلته عما خلق له، مستبطئًا لما يدعى مما قد ضمن له، غير واثق بالله، مفقود منه خوف ما قد استوجب به النار، معترض للموت فيما يستقبل، مشغوف بدنياه، غافل عن آخرته، عاشق للذهب والفضة، زاهد فيما ندب إليه من الشوق.
فكما أنه ضعف يقينه فيما يتشوق إليه، كذلك كان أمنه عند الوعيد؛ فعندها كان ناسيًا لذنوبه، ذاكرًا محاسنه، قد صيرها نصب عينينه، وآثامه تحت قدميه، داخلًا فيما لا يعنيه، مشغوفا بالدنيا، لا يقنعه قليلها، ولا يشبعه كثيرها، ولا يسعى ولا يكدح إلا لها، ولا يفرح ولا يتزين إلا لها، ولا يرضى ويسخط إلا لها؛ راض بحظه، بقليل حظه المتروك، النتقل عنه من كثير حظه من آخرته، بل راض بحظه من المخلوقين من حظه من خالقه؛ خائف من فقر بدأ به، آمن من معاص قد قدمها، وعقوبات قد استحقها، متزين للخلائق بما يسقطه عند خالقه، مؤيس منه، غير موثوق به؛ متحرزون، يتزينون بالكلام في المجالس، يتكبرون في مواطن الغضب عند خلاف الهوى، ذئاب أقران عند ممارسة الدنيا، طلس دجر جرائزة؛ فالطمع الكاذب يستيمله، والهوى المردي يخلق مروءته، ويسلبه نور إسلامه، ولم يكن على حقيقة خوف، فنزع به الامتحان إلى جوهره وطباعه، والله المستعان.
فتعقل الآن، وصف من هذا؟ وصف عيون ملتك في زمانك؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار، واتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا، ولهم أوجب الثواب؛ ثم نبههم لعظم المنة في قسم العقول، ولم يعذر بالتقصير: من ضيع شكره، وآثر هواه؛ ذلك بأن الله تعالى خلق الهوى، فجعله ضدًا للعقل، وجعل للعقل شكلًا: وهو العلم، والهوى، والباطل شكلان، مؤتلفان، قرينان، يدعوان إلى مذموم العواقب للدنيا والآخرة.
هيهات يا أهل العقول: من الذي يحظر على الله عز وجل مواهبه؟ ومن الذي منحه الله تعالى منحة، فيجب عنه؟ ومن الذي يمنعه الله عز وجل شيئًا، فيوجد عنده؟ هل للعباد إلى الله تعالى من حاجة بعد تركيب جوارحهم؟ الخير للثواب، والشر للعقاب؛ فحركات الخير والشر: من الطاعات والمعاصي؛ فخلق سبحانه هذه الأسباب، بلا شرح ترجمة منا، جعلها بقدرته أضدادًا، ولم يدع مستغلقًا إلا جعل له مفتاحًا، ولا شكلًا إلا جعل عليه تبيانا واضحًا؛ فلا إله إلا الذي خلق للخير أسبابًا، لا يستطيع العباد أن يصلوا إلى شيء من أعمال الخير، إلا بتلك الأسباب؛ وهي حاجزة عن المعاصي، إذا أسكنها الله تعالى قلب من أحبه، واستعمله به.
* قال الربيع بن عبد الرحمن: إن لله عبادًا: أخمصوا له البطون عن مطاعم الحرام، وغضوا له الجفون عن مناظر الآثام، وأهملوا له العيون لما اختلط عليهم الظلام، رجاء أن ينير ذلك لهم قلوبهم: إذا تضمنتهم الأرض بين أطباقها؛ فهم في الدنيا مكتئبون، وإلى الآخرة متطلعون، نفذت أبصارهم قلوبهم بالغيب إلى الملكوت، فرأت فيه ما رجت من عظم ثواب الله، فازدادوا والله بذلك جدًا واجتهادًا، عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم؛ فهم الذين لا راحة لهم في الدنيا، وهم الذين تقر أعينهم غدًا بطلعة ملك الموت عليهم؛ قال: ثم بكى، حتى بل لحيته بالدموع.
* عن ابن السماك قال: أصبحت الخليقة على ثلاثة أصناف: صنف من الذنوب موطن نفسه على هجران ذنبه، لا يريد أن يرجع إلى شيء من سيئة هذا المبرور؛ وصنف يذنب، ثم يذنب، ويذنب، ويحزن، ويذنب، ويبكي؛ هذا يرجى له، ويخاف عليه؛ وصنف يذنب، ولا يندم، ويندم، ولا يحزن، ويذنب، ولا يبكي؛ فهذا الخائن، الحائد عن طريق الجنة إلى النار.
* عن ابن كعب - محمد بن كعب القرظي - قال: إن الأرض تبكي من رجل، وتبكي على رجل: تبكي لمن كان يعمل على ظهرها بطاعة الله تعالى، وتبكي ممن يعمل على ظهرها بمعصية الله تعالى، قد أثقلها؛ ثم قرأ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان:29] .
* عن سفيان بن عيينة قال: كان يقال: أشد الناس حسرة يوم القيامة: ثلاثة: رجل كان له عبد: فجاء يوم القيامة أفضل عملًا منه؛ ورجل له مال: فلم يتصدق منه، فمات، فورثه غيره، فتصدق منه؛ ورجل عالم: لم ينتفع بعلمه، فعلمه غيره، فانتفع به.
* عن حسان بن عطية قال: ثمانية مقتهم الله، وقذرتهم نفسه، وميزهم من خلقه: السقارون، وهم القتالون؛ والمستكبرون: الذين إذا دعوا إلى الله وأمره، كانوا بطآء؛ وإذا دعوا إلى السلطان وأمره، كانوا سراعًا؛ والذين يستحقون بأيمانهم ما لم يحقه الله لهم؛ والذين يكثرون البغضاء لإخوانهم في صدورهم، فإذا لقوهم: تخلقوا لهم؛ والمشاؤون بالنميمة؛ والمفرقون بين الأحبة؛ والباغون دحضة البرآء.
* عن سالم الخواص قال: الناس ثلاثة أصناف: صنف يشبه الملائكة، وصنف يشبه البهائم، وصنف يشبه الشياطين؛ فالذي يشبه الملائكة: فالمؤمنون في ليلهم ونهارهم طائعين، يحب أهل الطاعة؛ وأما الذي يشبه الشياطين: فالذين في معاصي الله مساءً وصباحًا، مساءً وصباحًا، ويعطون كل الأجر.
* عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ما بلغني عن أخ لي مكروه قط، إلا أنزلته إحدى ثلاث منازل: إن كان فوقي: عرفت له قدره؛ وإن كان نظيري: تفضلت عليه؛ وإن كان دوني: لم أحفل به؛ هذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها، فإن أرض الله واسعة.