فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 392

* عبد الرحمن بن عمر قال: شهدت عبد الرحمن بن مهدي، وأراد أن يشتري وصيفة له من رجل من أهل بغداد، فلما قام عنه، أخبر أنه وضع كتبًا من الرأي، وابتدع ذلك؛ فجعل يقول: نعوذ بالله من شره، وكان إذا أتاه قربه وأدناه؛ فلما جاءه، رأيته دخل، وعبد الرحمن مريض، فسلم، فلم يرد عليه، فقعد؛ فقال له: يا هذا، ما شيء بلغني عنك؟ إنك ابتدعت كتبًا، أو وضعت كتبًا فيه من الرأي؛ فأراد أن يتقرب إليه بسوء رأيه في أبي حنيفة؛ فقال: يا أبا سعيد، إنما وضعت كتبًا ردًا على أبي حنيفة؛ فقال له: ترد على أبي حنيفة بآثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثار الصالحين؟ فقال: لا، فقال: إنما ترد على أبي حنيفة بآثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآثار الصالحين بالباطل؛ أخرج من داري، فما كنت أضع، أو أتبع حرمة عندك، ولو بكذا وكذا؛ فذهب يتكلم؛ فقال له: محرم عليك أن تتكلم، أو تتمكن في داري؛ فقام وخرج.

* عن عبد الواحد بن زياد قال: قلت لزفر بن الهذيل: عطلتم حدود الله كلها؛ فقلنا: ما حجتكم في ذلك؟ فقلتم: ادرأوا الحدود بالشبهات، حتى إذا صرتم إلى أعظم الحدود: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لا يقتل مؤمن بكافر» . فلم قلتم: يقتل مؤمن بكافر؟ ففعلتم ما نهيتم عنه، وتركتم ما أمرتم به، هذا، ونحوه من الكلام.

* عن عبد الرحمن بن مهدي، وذكر عنده أصحاب الرأي، فقال: {لا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] .

* قيل لعبد الرحمن بن مهدي: إن فلانًا قد صنف كتابًا في السنة، ردًا على فلان؛ فقال عبد الرحمن: ردًا بكتاب الله، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -؟ قيل: بكلام؛ قال: باطلًا بباطل.

* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: يحرم على الرجل أن يقول في أمر الدين، إلا شيئًا سمعه من ثقة ـ يعني بذلك: أصحاب الرأي ـ.

* عن الأوزاعي: أن عمر بن عبد العزيز قال: خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم، ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم؛ فإنهم خير منكم وأعلم.

* عن الأعمش قال: ما رأيت إبراهيم يقول برأيه في شيء قط.

* عن إبراهيم النخعي قال: أصحاب الرأي: أعداء أصحاب السنن.

* عن سفيان الثوري قال: تعلموا هذه الآثار، فمن قال برأيه، فقل: رأيي مثل رأيك.

* عن الحميدي قال: كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأي، فلم نحسن كيف نرد عليهم؛ حتى جاءنا الشافعي، ففتح لنا.

* عن بلال بن سعد قال: ثلاث لا يقبل معهن عمل: الشرك، والكفر، والرأي؛ قيل: وما الرأي؟ قال: يترك كتاب الله وسنة نبيه، ويعمل برأيه.

* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: دخلت على محمد بن الحسن ـ صاحب الرأي ـ فرأيت عنده كتابًا موضوعًا، فأخذته، ونظرت فيه، فإذا هو قد أخطأ، وقاس على الخطأ؛ فقلت: ما هذا؟ فقال: حديث أبي خلدة عن أبي العالية، في الدود يخرج من الدبر، وقد تأوله على غير تأويله، وقاس عليه؛ فقلت: هذا ليس هكذا، قال: كيف هو؟ فأخبرته؛ فقال: صدقت، ودعا بمقراض، فقرض من كتابه كذا وكذا ورقة.

* عن عبد الله بن شبرمة قال: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد؛ فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك؟ قال: هذا رجل له بصر، ونفاذ في أمر الدين؛ قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه؟ قال: نعم؛ قال: فقال جعفر لأبي حنيفة: ما اسمك؟ قال: نعمان، قال: يا نعمان، هل قست رأسك بعد؟ قال: كيف أقيس رأسي؟ قال: ما أراك تحسن شيئًا؛ هل علمت ما الملوحة في العينين، والمرارة في الأذنين، والحرارة في المنخرين، والعذوبة في الشفتين؟ قال: لا، قال: ما أراك تحسن شيئًا؛ قال: فهل علمت كلمة: أولها كفر، وآخرها إيمان؟ فقال ابن أبي ليلى: يا ابن رسول الله، أخبرنا بهذه الأشياء التي سألته عنها؛ فقال: أخبرني أبي عن جدي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تعالى بمنه وفضله: جعل لابن آدم الملوحة في العينين: لأنهما شحمتان، ولولا ذلك لذابتا؛ وإن الله تعالى بمنه وفضله ورحمته على ابن آدم: جعل المرارة في الأذنين، حجابًا من الدواب، فإن دخلت الرأس دابة، والتمست إلى الدماغ، فإذا ذاقت المرارة، التمست الخروج؛ وإن الله تعالى بمنه وفضله ورحمته على ابن آدم: جعل الحرارة في المنخرين، يستنشق بهما الريح، ولولا ذلك، لأنتن الدماغ؛ وإن الله تعالى بمنه وكرمه ورحمته لابن آدم: جعل العذوبة في الشفتين، يجد بهما استطعام كل شيء، ويسمع الناس بها حلاوة منطقه. قال: فأخبرني عن الكلمة التي أولها كفر، وآخرها إيمان؛ فقال: إذا قال العبد: لا إله، فقد كفر؛ فإذا قال: إلا الله، فهو إيمان. ثم أقبل على أبي حنيفة، فقال: يا نعمان، حدثني أبي عن جدي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أول من قاس أمر الدين برأيه: إبليس، قال الله تعالى له: اسجد لآدم. فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين» فمن قاس الدين برأيه، قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس، لأنه اتبعه بالقياس. زاد ابن شبرمة في حديثه: ثم قال جعفر: أيهما أعظم: قتل النفس، أو الزنا؟ قال: قتل النفس؛ قال: فإن الله عز وجل قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة؛ ثم قال: أيهما أعظم: الصلاة، أم الصوم؟ قال: الصلاة؛ قال: فما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فكيف ويحك يقوم لك قياسك؟ اتق الله، ولا تقس الدين برأيك.

* عن جعفر بن برقان قال: قلت لميمون بن مهران: إن فلانًا يستبطئ نفسه في زيارتك؛ قال: إذا ثبتت المودة، وإن طال المكث.

* وكان عبد الرحمن يكره الجلوس إلى أصحاب الأهواء، ويكره أن يجالسهم، أو يماريهم؛ فقيل له: أترى للرجل إذا كانت له خصومة، أراد أن يكتب عهده أن يأتيهم؟ قال: لا، مشيك إليهم توقير؛ وقد جاء فيمن وقر صاحب بدعة ما جاء.

* صالح بن مسلم قال: سأله الشعبي عن مسألة؛ فقال: قال فيها عمر بن الخطاب كذا، وقال علي بن أبي طالب فيها كذا؛ فقلت للشعبي: ما ترى؟ قال: ما تصنع برأي بعد قولهما؟ إذا أخبرتك برأي قبل عليه.

* عن صالح بن مسلم، قال لي عامر الشعبي: إنما هلكتم، بأنكم تركتم الآثار، وأخذتم بالمقاييس؛ ولقد بغض إلى هؤلاء المسجد، حتى إنه لأبغض إلي من كناسة داري ـ يعني: أصحاب الرأي ـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت