* عن ثابت البناني قال: قال شداد بن أوس يومًا لرجل من أصحابه: هات السفرة نتعلل بها؛ قال: فقال رجل من أصحابه: ما سمعت منك مثل هذه الكلمة منذ صحبتك؛ فقال: ما أفلتت مني كلمة منذ فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا مزمومة مخطومة؛ وأيم الله، لا تنفلت غير هذه.
* عن نافع: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه كان إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة: أحيى بقية ليلته. وقال: بشر بن موسى: أحيى ليلته.
* عن عطية بن قيس: أن أناسًا من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله ـ وكان غازيًا بأرض الروم ـ فوجدوه قد احتفر في فسطاطه حفرة، ووضع في الحفرة نطعًا، وأفرغ ماء، فهو يتصلق فيه وهو صائم؛ فقال له النفر: ما يحملك على الصيام، وأنت مسافر، وقد رخص الله تعالى لك الفطر في السفر والغزو؟ فقال لو حضر قتال: أفطرت، وتقويت للقتال؛ إن الخيل: لا تجري الغايات وهي بدنى، إنما تجري وهي ضمرات بين أيدينا، أيامًا لها نعمل.
* عن الحسن - البصري - قال: إن المؤمن: قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله؛ وإنما خف الحساب يوم القيامة: على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا؛ وإنما شق الحساب يوم القيامة: على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة؛ إن المؤمن يفجأه: الشيء يعجبه، فيقول: والله، إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن: والله، ما من وصلة إليك هيهات: حيل بيني وبينك؛ ويفرط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ ما لي ولهذا؟ والله، مالي عذر بها، ووالله لا أعود لهذا أبدًا، إن شاء الله؛ إن المؤمنين: قوم أوثقهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم؛ إن المؤمن: أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا: حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مأخوذ عليه في ذلك كله.
* قال مطرف بن عبد الله: إني لأستلقي من الليل على فراشي: فأتدبر القرآن، وأعرض عملي على عمل أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة: { كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } [الذريات: 17] } يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان: 64] } أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا [الزمر: 9] . فلا أراني فيهم؛ فأعرض نفسي على هذه الآية: { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } [المدثر: 42] فأرى القوم مكذبين، وأمر بهذه الآية: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا } [التوبة: 102] فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم.
* أن مطرف بن عبد الله قال: لو كان لي نفسان: لقدمت أحدهما قبل الأخرى؛ فإن هجمت على خير: أتبعتها الأخرى، وإلا أمسكتها؛ ولكن: إنما لي نفس واحدة، ما أدري على ما تهجم: خير، أو شر.
* قال بكر بن عبد الله المزني: إن عرض لك إبليس، بأن لك فضلًا على أحد من أهل الإسلام: فانظر، فإن كان أكبر منك، فقل: قد سبقني هذا بالايمان والعمل الصالح، فهو خير مني؛ وإن كان أصغر منك، فقل: قد سبقت هذا بالمعاصي والذنوب، واستوجبت العقوبة، فهو خير مني؛ فإنك لا ترى أحدًا من أهل الإسلام، إلا أكبر منك، أو أصغر منك؛ قال: وإن رأيت إخوانك المسلمين: من يكرمونك، ويعظمونك، ويصلونك؛ فقل أنت: هذا فضل أخذوا به؛ وإن رأيت منهم جفاء وانقباضًا، فقل: هذا ذنب أحدثته.
* عن عبد الله بن الحارث: أن محمدًا نام عن العشاء، حتى تفرطت؛ ثم قام فصلاها، ثم أحيا بقية ليله.
* عن أبي قلابة قال: إذا كان الإنسان أعلم بنفسه من الناس: فذاك قمن أن ينجو؛ وإذا كان الناس أعلم به من نفسه: فذاك قمن أن يهلك.
* قال محمد بن واسع: من مقت نفسه في ذات الله: أمنه من مقته.
* قال يونس بن عبيد: مالي تضيع لي الدجاجة، فأجد لها؛ وتفوتني الصلاة، فلا أجد لها؟.
* قال يونس بن عبيد: ما أعرف رجلًا يضبط نفسه منذ أربعين سنة: ضبط ابن عون يومًا واحدًا. فظن أنه يعني نفسه.
* عن عبد الله بن عون: أنه نادته أمه، فأجابها، فعلا صوته صوتها؛ فأعتق رقبتين.
* كان يزيد - بن أبان الرقاشي - يقول في قصصه: ويحك يا يزيد: من يترضى عنك ربك؟ ومن يصوم لك أو يصلي لك؟ ثم يقول: يا معشر إخواني: من القبر بيته؟ والموت موعده؟ ألا تبكون؛ فبكى، حتى سقطت أشفار عينيه.
* مر حسان بن أبي سنان بغرفة، فقال: مذ كم بنيت هذه؟ قال: ثم رجع إلى نفسه، فقال: وما عليك مذ كم بنيت؟ تسألين عما لا يعنيك؛ فعاقبها بصوم سنة.
* عن أبي حازم - سلمة بن دينار - قال: أنظر الذي تحب أن يكون معك في الآخرة: فقدمه اليوم، وانظر الذي تكره أن يكون معك: ثم فاتركه اليوم.
* عن ميمون بن مهران قال: ما عرضت قولي على عملي، إلا وجدت من نفسي اعتراضًا.
* عن ميمون بن مهران قال: ما أقل أكياس الناس، لا يبصر الرجل أمره: حتى ينظر إلى الناس، والى ما أمروا به، والى ما قد أكبوا عليه من الدنيا؛ فيقول: ما هؤلاء، إلا أمثال الأباعر التي لا هم لها، إلا ما تجعل في أجوافها؛ حتى إذا أبصر غفلتهم: نظر إلى نفسه، فقال: والله، إني لأراني من شرهم بعيرًا واحدًا.
* عن سفيان بن عيينة قال: قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في النار: أعالج أغلالها وسعيرها، وآكل من زقومها، وأشرب من زمهريرها؛ فقلت: يا نفسي، أي شئ تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا، أعمل عملًا، أنجو به من هذا العذاب؛ ومثلت نفسي في الجنة، مع حورها، وألبس من سندسها، واستبرقها، وحريرها؛ فقلت: يا نفسي، أي شئ تشتهين؟ قالت: أرجع إلى الدنيا، فأعمل عملًا أزداد من هذا الثواب؛ فقلت: أنت في الدنيا، وفي الأمنية.
* عن إبراهيم النخعي قال: بينما رجل عابد عند امرأة: إذ عمد، فضرب بيده إلى فخذها؛ قال: فأخذ بيده، فوضعها في النار، حتى نشت.
* عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: كان أخوان في بني إسرائيل؛ فقال أحدهم لصاحبه: ما أخوف عمل عملته عندك؟ فقال: ما عملت عملًا أخوف عندي، من أني مررت بين قراحي سنبل، فأخذت من أحدهما سنبلة، ثم ندمت؛ فأردت أن القيها في القراح الذي أخذتها منه، فلم أدر أي القراحين هو، فطرحتها في أحدهما؛ فأخاف أن أكون قد طرحتها في القراح الذي لم آخذها منه؛ فما أخوف عمل عملته أنت عندك؟ قال: إن أخوف عمل عملته عندي: إذا قمت في الصلاة، أخاف أن أكون أحمل على إحدى رجلي فوق ما أحمل على الأخرى ـ قال: وأبوهما يسمع كلامهما ـ فقال: اللهم، إن كانا صادقين: فاقبضهما إليك، قبل أن يفتتنا؛ فماتا، قال: فما ندري أي هؤلاء أفضل؟ قال: يزيد الأب أرى أفضل.
* عن عون بن عبد الله ابن عتبة، أنه كان يقول: يا ويح نفسي، كيف أغفل ولا يغفل عني؟ أم كيف تهنئني معيشتي، واليوم الثقيل ورائي؟ أم كيف يشتد عجبي بدار، في غيرها قراري وخلدي.
(4/ 254ـ255)
* عن عون بن عبد الله، أنه كان يقول في بكائه، وذكر خطيئته: ويحي، بأي شئ لم أعصي ربي.
ويحي، إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي، من خطيئة ذهبت شهوتها، وبقيت تبعتها عندي، في كتاب كتبه، كتاب لم يغيبوا عني؛ واسوأتاه، لم استحيهم، ولم أراقب ربي.
ويحي، نسيت ما لم ينسوا مني.
ويحي، غفلت ولم يغفلوا عني؛ لم استحيهم، ولم أراقب، واسوأتاه.
ويحي، حفظوا ما ضيعت مني.
ويحي، طاوعت نفسي وهي لا تطاوعني.
ويحي، طاوعتها فيما يضرها ويضرني، ويحها، ألا تطاوعني فيما ينفعها وينفعني، أريد إصلاحها، وتريد أن تفسدني؛ ويحها، إني لأنصفها، وما تنصفني؛ أدعوها لأرشدها، وتدعوني لتغويني؛ ويحها، إنها لعدو، لو أنزلتها تلك المنزلة مني؛ ويحها، تريد اليوم أن ترديني، وغدا تخاصمني؟ رب، لا تسلطها على ذلك مني.
رب، إن نفسي لم ترحمني، فارحمني؛ رب، إني أعذرها، ولا عذرتني؛ إنه إن يك خيرًا: أخذلها وتخذلني، وإن يك شرا: أحبها وتحبني؛ رب، فعافني منها، وعافها مني، حتى لا أظلمها، ولا تظلمني؛ وأصلحني لها، وأصلحها لي؛ فلا أهلكها، ولا تهلكني؛ ولا تكلني إليها، ولا تكلها إلي.
ويحي، كيف أفر من الموت، وقد وكل بي؟
ويحي، كيف أنساه، ولا ينساني؟
ويحي، أنه يقص أثري، فإن فررت لقيني، وإن أقمت أدركني.
ويحي، هل عسى أن يكون قد أظلني، فمساني، وصبحني؟ أو طرقني، فبغتني؛ ويحي، أزعم أن خطيئتي قد أقرحت قلبي، ولا يتجافى جنبي، ولا تدمع عيني، ولا تسهر لي، ولا يسهر ليلي؛ ويحي، كيف أنام على مثلها ليلي؟
ويحي، هل ينام على مثلها مثلي؟
ويحي، لقد خشيت أن لا يكون هذا الصدق مني، بل: ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي، كيف لا توهن قوتي، ولا تعطش هامتي؟ ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي؛ كيف لا أنشط فيما يطفئها عني؟ بل: ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي، كيف لا يذهب ذكر خطيئتي كسلي، ولا يبعثني إلى ما يذهبها عني؟ بل: ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي، كيف تنكا قرحتي ما تكسب يدي، ويح نفسي، بل: ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي، لا تنهاني الأولى من خطيئتي عن الآخرة، ولا تذكرني الآخرة من خطيئتي بسوء ما ركبت من الأولى، فويلي ثم ويلي: إن لم يتم عفو ربي.
ويحي، لقد كان لي فيما استوعبت من: لساني، وسمعي، وقلبي، وبصري اشتغال، فويل لي: إن لم يرحمني ربي.
ويحي، إن حجبت يوم القيامة عن ربي، فلم يزكني، ولم ينظر إلي، ولم يكلمني؛ فأعوذ بنور وجه ربي من خطيئتي، وأعوذ به أن أعطى كتابي بشمالي، أو وراءه ظهري، فيسود به وجهي، وتزرق به مع العمى عيني؛ بل: ويلي إن لم يرحمني ربي.
ويحي، بأي شئ أستقبل ربي؟ بلساني، أم بيدي، أم بسمعي، أم بقلبي، أم ببصري، ففي كل هذا له الحجة والطلبة عندي؛ فويل لي إن لم يرحمني ربي؛ كيف لا يشغلني ذكر خطيئتي عما لا يعنيني؟
ويحك يا نفسي، مالك لا تنسين ما لا ينسى، وقد أتيت ما لا يؤتى، وكل ذلك عند ربك يحصى في كتاب، لا يبيد ولا يبلى؛
ويحك، لا تخافين أن تجزى فيمن يجزى يوم تجزى كل نفس بما تسعى، وقد آثرت ما يفنى على ما يبقى.
يا نفس ويحك، ألا تستفيقين مما أنت فيه؟ إن سقمت تندمين، وإن صححت تأثمين؛ مالك إن افتقرت تحزنين، وإن استغنيت تفتنين؛ مالك إن نشطت تزهدين، فلم إن دعيت تكسلين؛ أراك ترغبين قبل أن تنصبي، فلم لا تنصبين فيما ترغبين؟
يا نفس ويحك، لم تخالفين؟ تقولين في الدنيا قول الزاهدين، وتعملين فيها عمل الراغبين.
ويحك، لم تكرهين الموت؟ لم لا تذعنين وتحبين الحياة؟ لم لا تصنعين.
يا نفس ويحك، أترجين أن ترضي ولا تراضين، وتجانبين وتعصين؛ مالك إن سألت تكثرين؟ فلم إن أنفقت تقترين؟ أتريدين الحياة، ولم تحذرين بتغير الزيادة؟ ولم تشكرين؟ تعظمين في الرهبة حين تسألين، وتقصرين في الرغبة حين تعملين؛ تريدين الآخرة بغير عمل، وتؤخرين التوبة لطول الأمل؛ لا تكوني كمن يقال: هو في القول مدل، ويستصعب عليه الفعل؛ بعض بني آدم: إن سقم ندم، وإن صح أمن، وإن افتقر حزن، وإن استغنى فتن، وإن نشط زهد، وإن رغب كسل؛ يرغب قبل أن ينصب، ولا ينصب فيما يرغب؛ يقول قول الزاهد، ولا يعمل عمل الراغب؛ يكره الموت لما لا يدع، ويحب الحياة لما لا يصنع؛ إن سأل أكثر، وإن أنفق قتر؛ يرجو الحياة ولم يحذر، ويبغي الزيادة ولم يشكر؛ يبلغ في الرغبة حين يسأل، ويقصر في الرغبة حين يعمل؛ يرجو الأجر بغير عمل؛ ويح لنا ما أغرنا، ويح لنا ما أغفلنا، ويح لنا ما أجهلنا؛ ويح لنا، لأي شئ خلقنا، للجنة، أم للنار؟ ويح لنا، أي خطر خطرنا؛ ويح لنا، من أعمال قد أخطرتنا؛ ويح لنا، مما يراد بنا؛ ويح لنا، كأنما يعني غيرنا؛ ويح لنا، إن ختم على أفواهنا، وتكلمت أيدينا، وشهدت أرجلنا؛ ويح لنا، حين تفتش سرائرنا؛ ويح لنا، حين تشهد أجسادنا؛ ويح لنا، مما قصرنا، لا براءة لنا، ولا عذر عندنا؛ ويح لنا، ما أطول أملنا؛ ويح لنا، حيث نمضي إلى خالقنا؛ ويح لنا، ولنا الويل الطويل إن لم يرحمنا ربنا؛ فارحمنا يا ربنا، رب ما أحكمك، وأمجدك، وأجودك، وأرأفك، وأرحمك، وأعلاك، وأقربك، وأقدرك، وأقهرك، وأوسعك، وأقضاك، وأبينك، وأنورك، وألطفك، وأخبرك، وأعلمك، وأشكرك، وأحلمك، وأحكمك، وأعطفك، وأكرمك؛ رب، ما أرفع حجتك، وأكثر مدحتك؛ رب، ما أبين كتابك، وأشد عقابك؛ رب، ما أكرم مآءبك، وأحسن ثوابك؛ رب، ما أجزل عطاؤك، واجل ثناؤك؛ رب، ما أحسن بلاءك، وأسبغ نعماءك؛ رب، ما أعلى مكانك، وأعظم سلطانك؛ رب، ما أمتن كيدك، وأغلب مكرك؛ رب، ما أعز ملكك، وأتم أمرك، رب؛ ما أعظم عرشك، وأشد بطشك؛ رب، ما أوسع كرسيك، وأهدى مهديك؛ رب، ما أوسع رحمتك، وأعرض جنتك؛ رب، ما أعز نصرك، وأقرب فتحك؛ رب، ما أعمر بلادك، وأكثر عبادك؛ رب، ما أوسع رزقك، وأزيد شكرك؛ رب، ما أسرع فرجك، وأحكم صنعك؛ رب، ما ألطف خيرك، وأقوى أمرك؛ رب، ما أنور عفوك، وأجل ذكرك؛ رب، ما أعدل حكمك، وأصدق قولك؛ رب، ما أوفى عهدك، وأنجز وعدك؛ رب، ما أحضر نفعك، وأتقن صنعك.
ويحي، كيف أغفل ولا يغفل عني؟ أم: كيف تهنئني معيشتي، واليوم الثقيل ورآئي؟ أم: كيف لا يطول، حزني ولا أدري ما يفعل بي؟ أم: كيف تهنئني الحياة، ولا أدري ما أجلي؟ أم: كيف تعظم فيها رغبتي، والقليل فيها يكفيني؟ أم: كيف آمن، ولا يدوم فيها حالي؟ أم: كيف يشتد حبي لدار ليست بداري؟ أم: كيف أجمع لها، وفي غيرها قراري؛ أم: كيف يشتد عليها حرصي، ولا ينفعني ما تركت فيها بعدي؟ أم: كيف أوثرها، وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟ أم: كيف لا أبادر بعملي، قبل أن يغلق باب توبتي؟ أم: كيف يشتد إعجابي بما يزايلني، وينقطع عني؛ أم: كيف أغفل عن أمر حسابي، وقد أظلني واقترب مني؛ أم: كيف أجعل شغلي فيما قد تكفل به لي؟ أم: كيف أعاود ذنوبي، وأنا معروض على عملي؟ أم: كيف لا أعمل بطاعة ربي، وفيها النجاة مما أحذر على نفسي؟ أم: كيف لا يكثر بكائي، ولا أدري ما يراد بي؟ أم: كيف تقر عيني مع ذكر ما سلف مني؟ أم: كيف أعرض نفسي لما لا يقوى له هوائي؟ أم: كيف لا يشتد هولي، مما يشتد منه جزعي؟ أم: كيف تطيب نفسي، مع ذكر ما هو أمامي؛ أم: كيف يطول أملي، والموت في أثري؟ أم: كيف لا أراقب ربي، وقد أحسن طلبي.
ويحي، فهل ضرت غفلتي أحد سواي؟ أم: هل يعمل لي غيري إن ضيعت حظي؟ أم: هل يكون عملي، إلا لنفسي، فلم أدخر عن نفسي ما يكون نفعه لي؟
ويحي، كأنه قد تصرم أجلي، ثم أعاد ربي خلقي كما بدأني، ثم أوقفني، وسألني، وسأل عني وهو أعلم بي؛ ثم أشهدت الأمر الذي أذهلني عن أحبابي وأهلي، وشغلت بنفسي عن غيري؛ وبدلت السماوات والأرض، وكانتا تطيعان وكنت أعصي؛ وسيرت الجبال، وليس لها مثل خطيئتي؛ وجمع الشمس والقمر، وليس عليهما مثل حسابي؛ وانكدرت النجوم، وليست تطلب بما عندي؛ وحشرت الوحوش، ولم تعمل بمثل عملي؛ وشاب الوليد، وهو أقل ذنبًا مني.
ويحي، ما أشد حالي، وأعظم خطري، فاغفر لي، واجعل طاعتك همي، وقو عليها جسدي، وسخ نفسي عن الدنيا، واشغلني فيما ينفعني؛ وبارك لي في قواها، حتى ينقض مني حالي؛ وامنن علي، وارحمني حين تعيد بعد اللقاء خلقي؛ ومن سوء الحساب، فعافني يوم تبعثني فتحاسبني، ولا تعرض عني يوم تعرضني بما سلف من ظلمي وجرمي؛ وآمني يوم الفزع الأكبر، يوم لا تهمني إلا نفسي؛ وارزقني نفع عملي، يوم لا ينفعني عمل غيري؛ إلهي، أنت الذي خلقتني، وفي الرحم صورتني، ومن أصلاب المشركين نقلتني، قرنا فقرنا، حتى أخرجتني في الأمة المرحومة؛ إلهي، فارحمني؛ إلهي، فكما مننت علي بالإسلام، فامنن علي بطاعتك، وبترك معاصيك، أبدا ما أبقيتني؛ ولا تفضحني بسرائري، ولا تخذلني بكثرة فضائحي؛ سبحانك خالقي، أنا الذي لم أزل لك عاصيًا، فمن أجل خطيئتي لا تقر عيني؛ وهلكت، إن لم تعف عني؛ سبحانك خالقي، بأي وجه ألقاك؟ وبأي قدم أقف بين يديك؟ وبأي لسان أناطقك؟ وبأي عين أنظر إليك، وأنت قد علمت سرائر أمري؟ وكيف أعتذر إليك، إذا ختمت على لساني، ونطقت جوارحي بكل الذي قد كان مني؟ سبحانك خالقي، فأنا تائب إليك متبصبص، فاقبل توبتي، واستجب دعائي، وارحم شبابي، وأقلني عثرتي، وارحم طول عبرتي، ولا تفضحني بالذي قد كان مني؛ سبحانك خالقي، أنت غياث المستغيثين، وقرة أعين العابدين، وحبيب قلوب الزاهدين؛ فإليك مستغاثي ومنقطعي، فارحم شبابي، واقبل توبتي، واستجب دعوتي، ولا تخذلني بالمعاصي التي كانت مني؛ إلهي، علمتني كتابك الذي أنزلته على رسولك محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم وقعت علي معاصيك وأنت تراني؛ فمن أشقى مني إذا عصيتك، وأنت تراني، وفي كتابك المنزل قد نهيتني؟
إلهي، أنا إذا ذكرت ذنوبي ومعاصي: لم تقر عيني للذي كان مني؛ فأنا تائب إليك، فاقبل ذلك مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقودًا بعد توحيدي وإيماني بك؛ فاغفر لي، ولوالدي، ولجميع المسلمين؛ برحمتك آمين يا رب العالمين.
(4/ 255ـ260)
* عن بكير بن عتيق قال: سقيت سعيد بن جبير شربة من عسل في قدح، فشربها؛ ثم قال: والله لأسألن عن هذا؛ قال: فقلت له: لمه؟ فقال: شربته وأنا أستلذه.
* عن ابن أبي غنية: حدثني هذا الشيخ عن جدته، قالت: دخلت خادمنا منزل طلحة بن مصرف، نقتبس نارًا، وطلحة يصلي؛ فقالت لها امرأته: مكانك يا فلانة، حتى نشوى لأبي محمد هذا القديد على قصبتك، يفطر عليها؛ قال: فلما قضى الصلاة؛ قال: ما صنعت لا أذوقها، حتى ترسلي إلى سيدتها تستأذنيها؛ حبسك إياها، وشواءك على قصبتها.
(5/ 14ـ15)
* عن الفضيل بن عياض قال: بلغني عن طلحة بن مصرف: أنه ضحك يومًا، فوثب على نفسه؛ فقال: فيم الضحك، إنما يضحك من قطع الأهوال، وجاز السراط؛ ثم قال: آليت، أن لا أفتر ضاحكًا، حتى أعلم بما تقع الواقعة؛ فما رؤى ضاحكًا حتى صار إلى الله عز وجل.
* عن أبي داود الجفري قال: دخلت على كرز بن وبرة بيته، فإذا هو يبكي؛ فقلت له: ما يبكيك؟ قال: إن بابي مغلق، وإن ستري لمسبل، ومنعت حزبي أن أقرأه البارحة؛ وما هو، إلا من ذنب أحدثته.
* كان ابن أبجر من شدة التوقي: كأنما يتكلم بالمعاريض؛ وكان ابن أبجر إذا رأى شيئًا يكرهه، قال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ فلا يزال يرددها، حتى يعلم أنه قد كره شيئًا؛ وكان ابن أبجر من شدة التوقي، يقول: من لا يعرفه كأنه غبي؛ وكان ابن أبجر: يعالج من نفسه شدة شديدة، ولكن لا يتكلم بشيء.
* عن الوليد بن شجاع، حدثني أبي، قال: كنت لا أكاد ألقى عبد الملك بن أبجر، إلا قال: نقصت الأعمار بعدك، واقتربت الآجال؛ ما فعل جيرانك؟ ـ يعني: أهل القبور ـ؛ ثم يقول: أمر يريد الله إدباره، متى يقبل.
* عن أبي سنان عن عمرو - بن قيس الملائي - قال: إذا شغلت بنفسك: ذهلت عن الناس، وإذا شغلت بالناس: ذهلت عن ذات نفسك.
* عن سفيان قال: قال ابن ذر - أبو ذر عمر بن ذر: لولا أني أخاف أن لا يكون برًا من القسم، لأقسمت: أن لا أخرج بشيء من الدنيا، حتى أعلم مالي في وجوه رسل الله إليَّ.
* عن خالد بن معدان قال: لا يفقه الرجل كل الفقه، حتى يرى الناس في جنب الله: أمثال الأباعر؛ ثم يرجع إلى نفسه، فيكون أحقر حاقر.
* عن سفيان الثوري قال: ضرب عمر بن عبد العزيز بيده على بطنه، ثم قال: بطني: بطيء عن عبادة ربه، متلوث بالذنوب والخطايا، يتمنى على الله منازل الأبرار، بخلاف أعمالهم.
* قال كهمس - بن الحسن الدعاء: يا أبا سلمة، أذنبت ذنبًا، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة؛ قلت: وما هو يا أبا عبد الله؟ قال: زارني أخ لي، فاشتريت له سمكًا بدانق؛ فلما أكل قمت إلى حائط جار لي، فأخذت منه قطعة طين، فمسح بها يده؛ فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة.
* عن أبي عبد الرحمن الحنفي قال: سقط من كهمس دينار في الطريق، فرجع في طلبه؛ قال: فوجده، فلما صار في يده؛ قال: أحمد، ما أدري، أهو ديناري، أو غيره؟.
* قال عبد الله بن المبارك: كنا مع كهمس، فدنا من الماء ليشرب؛ فذاقه، فوجده باردًا، فأمسك؛ فقال: هاك أبا عبد الرحمن، تحاسب بفضلها.
* عن أبي حسن ابن اليسع قال: لقي عبد الواحد بن زيد عتبة الغلام في رحبة القصابين، في يوم شات، شديد البرد؛ فإذا هو يرفس عرقًا، فقال له عبد الواحد: عتبة؟ قال: نعم؛ قال: فما شأنك، مالك تعرق في مثل هذا اليوم؟ قال: خير؛ قال: لتخبرني؛ قال: خير؛ قال: فقال: للأنس الذى بينى وبينك، والإخاء، إلا ما أخبرتنى؛ قال: إني والله ذكرت ذنبًا أصبته في هذا المكان، فهذا الذي رأيت من أجل ذلك.
* عن مبارك بن سعيد قال: جاء رجل إلى سفيان الثوري ببدرة، أو ببدرتين؛ وكان أبو ذاك صديقًا لسفيان؛ قال الرجل: وكان سفيان يأتيه كثيرًا؛ قال: فقال له: يا أبا عبد الله، في نفسك من أبي شيء؟ فقال: يرحم الله أباك، كان وكان، فأثنى عليه؛ قال: فقال: يا أبا عبد الله، قد عرفت كيف صار إلى هذا المال، فأنا أحب أن تأخذ، هذه تستعين بها على عيالك؛ قال: فقبل سفيان ذلك، وقام الرجل، فلما كاد أن يخرج؛ قال لي: يا مبارك، الحقه، فرده علي؛ فقال: يا ابن أخي، أحب أن تأخذ هذا المال؛ قال له: يا أبا عبد الله، في نفسك منه شيء؟ قال: لا، ولكن أحب أن تأخذه؛ فما زال به حتى أخذه، فذهب به؛ قال: فلما خرج، لم أملك نفسي أن جئت إليه؛ فقلت: ويلك، أي شيء قلبك هذا حجارة، عد أن ليس لك عيال، أما ترحمني؟ أما ترحم إخوتك؟ أما ترحم عيالنا وعيالك؟ قال: فأكثرت عليه؛ فقال: الله يا مبارك، تأكلها هنيئًا مريئًا، وأسأل أنا عنها.
(7/ 3ـ4)
* عن عبد الله: أن رجلًا كان يتبع سفيان الثوري، فيجده أبدًا يخرج من لبنة، رقعة ينظر فيها؛ فأحب أن يعلم ما فيها، فوقع في يده الرقعة، فإذا فيها مكتوب: سفيان، اذكر وقوفك بين يدي الله عز وجل.
* عن وكيع عن سفيان الثوري قال: ما عالجت شيئًا قط: أشد على من نفسي، مرة علي، ومرة لي.
* عن سفيان الثوري قال: كان أقوام يدعون إلى الحلال، فلا يقبلونه؛ ويقولون: نخاف منه على أنفسنا.
* عن أبي نعيم: أن الحسن بن صالح انتهى إلى أصل حائط، فأخذ مدرة، فتمسح بها؛ فدق عليهم الباب، فقال: إني أخذت من حائطكم مدرة، فتمسحت بها، فاجعلوني في حل.
* عن إبراهيم بن بشار قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول هذا، ويتمثل به إذا خلا في جوف الليل، بصوت حزين، موجع للقلوب: ومتى أنت صغيرًا وكبيرًا أخو علل، فمتى ينقضي الردى؟ ومتى ويحك العمل؟ ثم يقول: يا نفس، إياك والغرة بالله، فقد قال الصادق: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ٌ [لقمان: 33] .
* عن حامد اللفاف قال: سمعت حاتمًا الأصم يقول: تعاهد نفسك في ثلاث مواضع: إذا عملت، فاذكر نظر الله تعالى عليك؛ وإذا تكلمت، فانظر سمع الله منك؛ وإذا سكت، فانظر علم الله فيك.
* عن محمد بن يزيد بن خنيس قال: قال رجل لعبد العزيز بن أبي رواد: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت والله في غفلة عظيمة عن الموت، مع ذنوب كثيرة قد أحاطت بي؛ راحل، يسرع كل يوم في عمري؛ ومؤمل، لست أدري على ما أهجم؛ ثم بكى.
* عن أحمد بن عبد العزيز بن محمد الدمشقي عن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: كل نفس مسئولة: فمرتهنة، أو مخلصة؛ وفكاك الرهون بعد قضاء الديون؛ فإذا أغلقت الرهون: أكدت الديون، وإذا أكدت الديون: استوجبوا السجون.
* قال الحارث بن أسد المحاسبي: المحاسبة والموازنة في أربع مواطن: فيما بين الإيمان والكفر، وفيما بين الصدق والكذب، وبين التوحيد والشرك.
(10ـ109)
* قال سهل بن عبد الله: لا تفتش عن مساوي الناس، ورداءة أخلاقهم؛ ولكن فتش وابحث في أخلاق الإسلام ما حالك فيه؛ حتى تسلم، ويعظم قدره في نفسك وعندك.
* وقال: فأي منزلة: إذا قام العبد بها، أقام مقام العبودية؟ قال: إذا ترك التدبير؛ قيل: فأي منزلة إذا قام بها، أقام الصدق؟ قال: إذا توكل عليه فيما أمره به، ونهاه عنه.
* وقال: المؤمن: من راقب ربه، وحاسب نفسه، وتزود لمعاده.
* كان أبو حفص - عمرو بن سلمة النيسابوري - يقول: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره: فلا تعده في ديوان الرجال؛ وكان يقول: من نعت الفقير الصادق: أن يكون في كل وقت بحكمه، فإذا ورد عليه وارد يشغله عن حكم وقته: يستوحش منه، وينفيه.
* عن أبي القاسم الجنيد قال: ينبغي للعاقل ألا يفقد من إحدى ثلاثة مواطن: موطن يعرف فيه حاله: أمزاد، أم منتقص؛ وموطن يخلو فيه بتأديب نفسه، وإلزامها ما يلزمها، ويتقصى فيه على معرفتها؛ وموطن يستحضر عقله، برؤيته مجاري التدبير عليه، وكيف تقلب فيه الأحكام، في آناء الليل وأطراف النهار؛ ولن يصفو عقل لا يصدر إلى فهم هذا الحال الأخير، إلا بأحكام ما يجب عليه من إصلاح الحالين الأولين.
فأما الموطن الذي ينبغي له أن يعرف فيه حاله: أمزاد هو، أم منتقص: فعليه أن يطلب مواضع الخلوة، لكي لا يعارضه مشغل، فيفسد ما يريد إصلاحه؛ ثم يتوجه إلى موافقة ما ألزم من تأدية الفرض، الذي لا يزكو حال قربه، إلا بإتمام الواجب من الفرائض؛ ثم ينتصب انتصاب عبد بين يدي سيده، يريد أن يؤدي إليه ما أمر بتأديته؛ فحينئذ: تكشف له خفايا النفوس الموارية، فيعلم: أهو ممن أدى ما وجب عليه، أم لم يؤد؟ ثم لا يبرح من مقامه ذلك، حتى يوقع له العلم ببرهان ما استكشفه بالعلم؛ فإن رأى خللا: أقام على إصلاحه، ولم يجاوزه إلى عمل سواه؛ وهذه أحوال: أهل الصدق في هذا المحل، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن الله لقوي عزيز.
وأما الموطن الذي يخلو فيه بتأديب نفسه، ويتقصى فيه حال معرفتها: فإنه ينبغي لمن عزم على ذلك، وأراد المناصحة في المعاملة؛ فإن النفوس: ربما خبت فيها منها أشياء لا يقف على حد ذلك، إلا من تصفح ما هنالك، في حين حركة الهوى في محبة فعل الخير المألوف؛ فإن النفس إذا ألفت فعل الخير: صار خلقا من أخلاقها، وسكنت إلى أنها موضع لما أهلت له؛ وترى: أن الذي جرى عليها من فعل ذلك الخير فيها هي له أهل، ويرصدها العدو المقيم بفنائها المجعول له، السبيل على مجاري الدم فيها، فيرى هو بكيده خفي غفلتها، فيختلس منها بمساءلة الهوى ما لا يمكنه الوصول إلى اختلاسه في غير تلك الحال؛ فإن تألم لوكزته منه، وعرف طعنته: أسرع بالأمانة إلى من لا تقع الكفاية منه، إلا به، فاستقصى من نفسه علم الحال التي منا وصل عدوه إليه، فحرسها بلياذة اللجأ، وإلقاء الكنف، وشدة الافتقار، وطلب الاعتصام؛ كما قال النبي بن النبي بن النبي الكريم بن الكريم بن الكريم ـ كذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام» : { وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إليهنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [يوسف: 33] . وعلم يوسف عليه السلام: أن كيد الأعداء مع قوة الهوى، لا ينصرف بقوة النفس فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [يوسف: 34] .
وأما الموطن الذي يستحضر فيه عقله، لرؤية مجارى الأحكام، وكيف يقلبه التدبير: فهو أفضل الأماكن، وأعلى المواطن؛ فإن الله أمر جميع خلقه: أن يواصلوا عبادته، ولا يسأموا خدمته؛ فقال: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذريات:56] . فألزمهم دوام عبادته، وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية، وفي الأخرى جزيل الثواب؛ فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الحج:77] وهذه كلها تلزم كل الخلق، ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام، وقد عرض لرفيع العلم والمعرفة؛ ألا يعلم، أنه قال: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } [الرحمن: 29] . يعني: شأن الخلق؛ وأنت أيها الواقف: أترى أنك من الخلق الذي هو في شأنهم؟ أو ترى شأنك مرضيًا عنده؟ ولن يقدر أحد على استحضار عقله، إلا بانصراف الدنيا وما فيها عنه، وخروجها من قلبه؛ فإذا انقضت الدنيا، وبادت أهلها، وانصرفت عن القلب: خلا بمسامرة رؤية التصرف، واختلاف الأحكام، وتفصيل الأقسام؛ ولن يرجع قلب من هذا وصفه، إلى شيء من الانتفاع بما في هذه: التي عنها خرج، ولها ترك، ومنها هرب؛ ألا ترى إلى حارثة، حين يقول: عزفت نفسي عن الدنيا؟ ثم يقول: وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني بأهل الجنة يتزاورون، وكأني، وكأني؛ وهذه بعض أحوال القوم.
(10/ 271ـ272)
* عن محفوظ بن محمود قال: من أبصر محاسن نفسه: ابتلي بمساوي الناس، ومن أبصر عيوب نفسه: سلم من رؤية مساوي الناس، ومن ظن بمسلم فتنة: فهو المفتون.
* وقال: لا تزن الخلق بميزانك، وزن نفسك بميزان المؤمنين؛ لتعلم فضلهم، وإفلاسك.
* عن مليح بن وكيع قال: لما نزل بأبي الموت، أخرج إلي يده فقال:…يا بني، تري يدي، ما ضربت بها شيئًا قط.
* عن سعيد بن أبي هلال: أن كعبًا مر بعمر وهو يضرب رجلًا بالدرة، فقال كعب: على رسلك يا عمر، فو الذي نفسي بيده، إنه لمكتوب في التوراة: ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، فقال عمر: إلا من حاسب نفسه.
* مر يزيد بإبراهيم بن أدهم وهو ينظر كرما، فقال: ناولنا من هذا العنب، فقال: ما أذن لي صاحبه، قال: فيقلب السوط وأمسك بموضع الشيب، فجعل يقنع رأسه، فطأطأ إبراهيم رأسه، وقال: اضرب رأسًا طال ما عصى الله، قال: فأعجز الرجل عنه.
* يقول عامر بن عبد قيس: رأيت نفرًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصحبتهم، فحدثونا: أن أصفى الناس إيمانًا يوم القيامة: أشدهم محاسبة لنفسه في الدنيا، وأن أشد الناس فرحًا في الدنيا: أشدهم حزنا يوم القيامة؛ وإن أكثر الناس ضحكًا في الدنيا: أكثرهم بكاء يوم القيامة؛ وحدثونا أن الله تعالى فرض فرائض، وسن سننًا، وحد حدودًا، فمن عمل بفرائض الله وسننه واجتنب حدوده، دخل الجنة بغير نجاسة؛ ومن عمل بفرائض الله وسننه وركب حدوده، ثم تاب، استقبل الشدائد والزلازل والأهوال، ثم يدخل الجنة؛ ومن عمل بفرائض الله وسننه وركب حدوده، ثم مات مصرًا على ذلك، لقي الله مسلمًا، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
* عن أبي شوذب قال: اجتمع يونس بن عبيد وعون، فتذاكرا الحلال والحرام، فكلاهما قال: ما أعلم في مالي درهمًا حلالًا.
* قال أبو حازم - سلمة بن دينار: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت؛ واعلم، أنك إذا مت: لم ترفع الأسواق بموتك، إن شأنك صغير، فاعرف نفسك.