* عن الأوزاعي، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج في سواد الليل، فرآه طلحة، فذهب عمر، فدخل بيتًا، ثم دخل بيتا آخر؛ فلما أصبح طلحة، ذهب إلى ذلك البيت؛ فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى؛ فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع.
* عن حرمي قال: استعان رجل بثابت البناني على القاضي في حاجة، فجعل لا يمر بمجسد، إلا نزل فصلى، حتى انتهى إلى القاضي، وقد ختمت القماطر؛ فكلمه في حاجة الرجل، فقضاها؛ فأقبل ثابت على الرجل، فقال: لعله شق عليك ما رأيت؟ قال: نعم؛ قال: ما صليت صلاة، إلا طلبت إلى الله تعالى في حاجتك.
(2/ 321 ـ322)
* مر تاجر بعشارين، فحبسوا عليه سفينته، فجاء إلى مالك بن دينار، فذكر ذلك له؛ فقام مالك، فمشى معه إلى العشارين، فلما رأوه؛ قالوا: يا أبا يحيى، ألا بعثت إلينا، ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تخلوا سفينة هذا الرجل؛ قالوا: قد فعلنا ـ قال: وكان عندهم كوز، يجعلون فيه ما يأخذون من الناس من الدراهم ـ فقالوا: أدع الله لنا يا أبا يحيى؛ قال: قولوا للكوز يدعو لكم! كيف أدعو لكم، وألف يدعو عليكم؟ أترى يستجاب لواحد، ولا يستجاب لألف.
* عن عامر بن عبيدة قال: أول ما أنكر من عمر بن عبد العزيز: أنه خرج في جنازة، فأتى ببرد كان يلقى للخلفاء، يقعدون عليه إذا خرجوا إلى جنازة؛ فألقى له، فضربه برجله، ثم قعد على الأرض؛ فقالوا: ما هذا؟ فجاء رجل، فقام بين يديه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، اشتدت بي الحاجة، وانتهت بي الفاقة، والله سائلك عن مقامي غدًا بين يديك ـ وفي يده قضيب قد اتكأ عليه بسنانه ـ؛ فقال: أعد علي ما قلت؛ فأعاد عليه؛ قال: يا أمير المؤمنين، اشتدت بي الحاجة، وانتهت بي الفاقة، والله سائلك عن مقامي هذا بين يديك؛ فبكى، حتى جرت دموعه على القضيب؛ ثم قال: ما عيالك؟ قال: خمسة، أنا، وامرأتي، وثلاثة أولادي؛ قال: فإن الفرض لك ولعيالك عشرة دنانير، ونأمر لك بخمسمائة: مائتين من مالي، وثلاثمائة من مال الله؛ تبلغ بها، حتى يخرج عطاؤك.
* عن عبد الله بن محمد بن أسماء قال: سمعت سعيد بن عامر يذكر: أن قومًا أتوا حسان بن أبي سنان، ومعهم رجل قد كانت حاله حسنة، فتغيرت؛ فأتوا حسان يريدون أن يكلموه ليعينه في شيء، فوجدوه ضجرًا؛ فقال بعضهم لبعض: لا نرى أن نكلمه وهو على هذه الحال؛ قال: فسائلوه، ثم أرادوا أن ينصرفوا؛ قال: فقال لهم: ما حاجتكم؟ قالوا: يا أبا عبد الله، نعود إليك؛ قال: فقال: لا، تكلموا بحاجتكم؛ فقالوا: هذا فلان قد عرفته، كانت حالته حسنة قبل اليوم، فتغيرت؛ فأردنا أن نجمع له شيئًا؛ قال: مكانكم؛ قال: فدخل، فأخرج صرة فيها أربعمائة درهم؛ فقال: أما أني لم أخلف غيرها؛ ثم قال: مكانكم حتى أخبركم بما رأيتم من غمي: بنيت مخدعًا لأهلنا، أنفقنا عليه سبعة وعشرين درهمًا، وكسرا هو بنا رافق؛ ولو لم نبنه، وجدنا عنه بدًا؛ فذلك الذي رأيتم من غمي.
* عن شعبة قال: لولا حوائج لي إليكم، ما جلست معكم؛ وكانت حوائجه: أن يسأل لجيرانه الفقراء.
* دخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه، فجعل يبكي؛ فقال: ما شأنك؟ قال: علي دين؛ قال: كم هو؟ قال: خمسة عشر ألف دينار. قال: فهو علي.
* عن سهل بن بشر قال: مر بي إبراهيم بن أدهم ـ وأنا أكسر عود حطب قد أعياني ـ فقال لي: يا محمد، قد أعياك؟ قلت: نعم؛ قال: فتأمر لنا به؟ قلت: نعم، قال: وتعيرنا الفأس؟ قلت: نعم؛ قال: فأخذ العود، ووضعه على رقبته، وأخذ الفأس، ومضى؛ فبينا أنا على ذلك، إذا أنا بالباب قد فتح، والحطب يطرح في الباب مكسرًا، وألقى الفأس، وأغلق الباب ومضى؛ [قال] : وكان إبراهيم إذا صلى العشاء، وقف بين يدي الدور، فنادى بأعلى صوته: من يريد يطحن؛ فكانت المرأة تخرج القفة، والشيخ الكبير، فينصب الرحى بين رجليه، فلا ينام حتى يطحن بلا كراء؛ ثم أتى أصحابه.
(7/ 372 ـ373)
* عن شفيق بن إبراهيم قال: بينا نحن ذات يوم عند إبراهيم، إذ مر به رجل من الصناع؛ فقال إبراهيم: أليس هذا فلانًا؟ قيل: نعم؛ فقال لرجل: أدركه، فقل له: قال لك إبراهيم: مالك لم تسلم؟ قال: لا والله، إن امرأتي وضعت، وليس عندي شيء، فخرجت شبه المجنون؛ فرجعت إلى إبراهيم، وقلت له: فقال: إنا لله، كيف غفلنا عن صاحبنا حتى نزل به الأمر؛ فقال: يا فلان، ائت صاحب البستان، فاستسلف منه دينارين، وادخل السوق، فاشتر له ما يصلحه بدينار، وادفع الدينار الآخر إليه؛ فدخلت السوق، وأوقرت بدينار من كل شيء، وتوجهت إليه، فدققت الباب؛ فقالت امرأته: من هذا؟ قلت: أنا، أردت فلانًا؛ قالت: ليس هو هنا؛ قلت: فمري بفتح الباب، وتنحي؛ قال: ففتحت الباب، فأدخلت ما على البعير، وألقيته في صحن الدار، وناولتها الدينار؛ فقالت: على يدي من هذا؟ قلت: قولي: على يد أخيك: إبراهيم بن أدهم؛ فقالت: اللهم، لا تنس هذا اليوم لإبراهيم.
(7/ 382ـ383)
* عن أحمد بن أبي الحواري قال: بلغني، أن نصرانيًا أهدى إلى الأوزاعي جرة عسل، فقال له: يا أبا عمرو، تكتب لي، إلي وإلى بعلبك؛ فقال: إن شئت: رددت الجرة، وكتبت لك؛ وإلا: قبلت الجرة، ولم أكتب لك؛ قال: فرد الجرة، وكتب له؛ فوضع عنه ثلاثين دينارًا.
* كان زبيدًا - بن الحارث الايامي -، إذا كانت ليلة مطيرة: أضاء بشعلة من نار، فطاف على عجائز الحي؛ فقال: أو كف عليكم البيت؟ أتريدون نارًا؟ فإذا أصبح، طاف على عجائز الحي، ويقول: ألكم في السوق حاجة؟ أتريدون شيئًا.
* عن عمران بن حدير قال: أرسل ابن سيرين إلى أبي مجلز: أن ابعث إلينا بنفقة لا تطلبها، حتى نبعث بها إليك؛ قال: فصر ثلاث مائة، فأرسل بها إليه.
* دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز، ومعها مولاة لها تمسك بيدها، فقام لها عمر، ومشى إليها، حتى جعل يديها في يده، ويده في ثيابه، ومشى بها حتى أجلسها في مجلسه، وجلس بين يديها، وما ترك لها حاجة إلا قضاها.