فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 392

* عن عمران بن عبد الله قال: كان سعيد بن المسيب لا يقبل من أحد شيئًا، لا دينارًا، ولا درهمًا، ولا شيئًا؛ قال: وربما عرض عليه الأشربة، فيعرض؛ فليس يشرب من شراب أحد منهم.

* عن أبي حازم قال: خرج سليمان بن يسار خارجًا من المدينة، ومعه رفيق له، حتى نزلوا بالأبواء، فقام رفيقه، فأخذ السفرة، وانطلق إلى السوق يبتاع لهم، وقعد سليمان في الخيمة ـ وكان من أجمل الناس وجها، وأورع الناس ـ فبصرت به أعرابية من قلة الجبل، وهي في خيمتها؛ فلما رأت حسنه وجماله، انحدرت، وعليها البرقع والقفازان، فجاءت، فوقفت بين يديه، فأسفرت عن وجه لها كأنه فلقة قمر، فقالت: اهبتني؟ فظن أنها تريد طعامًا، فقام إلى فضل السفرة ليعطيها؛ فقالت: لست أريد هذا، إنما أريد ما يكون من الرجل إلى أهله؛ فقال: جهزك إلي إبليس، ثم وضع رأسه بين كميه، فأخذ في النحيب، فلم يزل يبكي؛ فلما رأت ذلك، سدلت البرقع على وجهها، ورفعت رجليها بأكواب، حتى رجعت إلى خيمتها؛ فجاء رفيقه، وقد ابتاع لهم ما يرفقهم، فلما رآه وقد انتفخت عيناه من البكاء، وانقطع حلقه؛ قال: ما يبكيك؟ قال: خير، ذكرت صبيتي؟ قال: لا، إن لك قصة، إنما عهدك بصبيتك منذ ثلاث أو نحوها، فلم يزل به رفيقه، حتى أخبره بشأن الأعرابية، فوضع السفرة، وجعل يبكي بكاء شديدًا؛ فقال له سليمان: أنت ما يبكيك؟ قال: أنا أحق بالبكاء منك، قال: فلم؟ قال: لأني أخشى أن لو كنت مكانك، لما صبرت عنها؛ قال: فما زالا يبكيان؛ قال: فلما انتهى سليمان إلى مكة، وطاف وسعى، أتى الحجر، واحتبى بثوبه، فنعس؛ فإذا رجل وسيم جميل، طوال، شرجب، له شارة حسنة، ورائحة طيبة، فقال له سليمان: من أنت رحمك الله؟ قال: أنا يوسف بن يعقوب، قال: يوسف الصديق؟ قال: نعم؛ قلت: إن في شأنك وشأن امرأة العزيز لشأنا عجيبًا، فقال له يوسف: شأنك وشأن صاحبة الأبواء أعجب.

* عن إبراهيم بن أدهم قال: تريد تدعو؟ كل الحلال، وادع بما شئت.

* عن سفيان الثوري قال: عليكم بما عليه الحمالون، والنساء في البيوت، والصبيان في الكتاب: من الإقرار والعمل.

* عن سليمان بن يعقوب قال: قلت لبشر بن الحارث: عظني؟ قال: أنظر خبزك من أين هو؟ ولا تعرض للنار.

* عن وهيب بن الورد قال: لو قمت قيام هذه السارية، ما نفعك، حتى تنظر ما يدخل في بطنك: حلال، أم حرام.

* عن يوسف بن أسباط، أنه قال لشعيب بن حرب: إن طلب الحلال فريضة، والصلاة في الجماعة سنة.

* علي بن الجهم بن بدر قال: كان لنا جار، فأخرج إلينا كتابًا؛ فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: نعم، هذا خط أحمد بن حنبل، فقلنا له: كيف كتب ذلك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عيينة، فقصدنا أحمد بن حنبل أيامًا، فلم نره، ثم جئنا إليه لنسأل عنه، فقال لنا أهل الدار التي هو فيها: هو في ذلك البيت، فجئنا إليه والباب مردود عليه، وإذا عليه خلقان؛ فقلنا له: يا أبا عبد الله، ما خبرك؟ لم نرك منذ أيام؛ فقال: سرقت ثيابي، فقلت له: معي دنانير، فإن شئت: خذ قرضًا، وإن شئت: صلة؛ فأبى أن يفعل، فقلت: تكتب في بأخذه، قال: نعم، فأخرجت دينارًا، فأبى أن يأخذه؛ وقال: إشتر لي ثوبًا، واقطعه بنصفين ـ فأومى أنه يأتزر بنصف، ويرتدي بالنصف الآخر ـ؛ وقال: جئني ببقيته، ففعلت، وجئت بورق وكاغد، فكتب لي؛ فهذا خطه.

* عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: دخلت على أبي في أيام الواثق، والله يعلم في أي حالة نحن، وقد خرج لصلاة العصر، وقد كان له لبد يجلس عليها، قد أتت عليه سنون كثيرة، حتى قد بلي؛ فإذا تحته كتاب كاغد، وإذا فيه: بلغني يا أبا عبد الله ما أنت فيه من الضيق، وما عليك من الدين، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم على يدي فلان، لتقضي بها دينك، وتوسع بها على عيالك، وما هي من صدقة، ولا زكاة؛ وإنما هو شيء ورثته من أبي، فقرأت الكتاب، ووضعته؛ فلما دخل، قلت: يا أبت، ما هذا الكتاب؟ فاحمر وجهه، وقال: رفعته منك، ثم قال: تذهب بجوابه؛ فكتب إلى الرجل: وصل كتابك إلى، ونحن في عافية، فأما الدين: فإنه لرجل لا يرهقنا، وأما عيالنا: فهم في نعمة والحمد لله؛ فذهبت بالكتاب إلى الرجل الذي كان أوصل كتاب الرجل، فقال: ويحك، لو أن أبا عبد الله قبل هذا الشيء ورمى به مثلًا في الدجلة، كان مأجورا؛ لأن هذا رجل: لا يعرف له معروف، فلما كان بعد حين، ورد كتاب الرجل بمثل ذلك، فرد عليه الجواب بمثل ما رد؛ فلما مضت سنة، أو أقل أو أكثر، ذكرناها، فقال: لو كنا قبلناها: كانت قد ذهبت.

* عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي، قال: عرض على يزيد بن هارون خمسمائة درهم، أو أكثر أو أقل؛ فلم أقبل منه، وأعطى يحيى بن معين، وأبا مسلم المستملي، فأخذا منه.

* عن حمدان بن سنان الواسطي: قدم علينا أحمد بن حنبل ومعه جماعة، قال: فنفدت نفقاتهم، فأخذوا؛ قال: وجاء أحمد بن حنبل بفروة، فقال: قل لمن يبيع هذه، ويجيئني بثمنها، فأتسع به؛ قال: فأخذت صرة دراهم، فمضيت بها إليه، فردها؛ قال: فقالت امرأتي: هذا رجل صالح، لعله لم يرضها فأضعفها، قال: فأضعفتها، فلم يقبل؛ فأخذ الفروة مني وخرج.

* عن أيوب السختياني، وهو يقول: لا يستوي العبد، أولا يسود العبد، حتى يكون فيه خصلتان: اليأس مما في أيدي الناس، والتغافل عما يكون منهم.

* عن عبد الرزاق قال: قدم علينا أحمد بن حنبل هاهنا، فقام سنتين إلا شيئًا، فقلت له: يا أبا عبد الله، خذ هذا الشيء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض متجر ولا مكسب ـ وأرانا عبد الرزاق كفه، ومدها فيها دنانير ـ قال أحمد: أنا بخير؛ ولم يقبل مني.

* قال ذو النون رحمه الله تعالى:

لبست بالعفة ثوب الغنى…فصبرت أمشي شامخ الراس

أنطق لي الصبر لساني…فما أخضع بالقول لجلاسي

إذ رأيت التيه من ذي الغنا…تهت على التائه بالياس

* عن الفضل ابن محمد البيهقي قال: سمعت أبي يقول: سمعت وكيعا يقول ـ وقد جاءه رجل يناظره في شيء من أمر المعاش، أو الورع ـ؛ فقال له وكيع: من أين تأكل؟ قال: ميراثا ورثته عن أبي، قال: من أين هو لأبيك؟ قال: ورثه عن أبيه، قال: من أين هو كان لجدك؟ قال: لا أدري؛ فقال له وكيع: لو أن رجلا نذر: لا يأكل إلا حلالًا، ولا يلبس إلا حلالًا، ولا يمشي إلا في حلال، لقلنا له: إخلع ثيابك، وارم بنفسك في الفرات، ولكن لا تجد إلا السعة؛ ثم قال وكيع: لو أن رجلًا بلغ في ترك الدنيا مثل: سلمان، وأبي ذر، وأبي الدرداء، ما قلنا له: زاهدًا، لأن الزهد لا يكون، إلا على ترك الحلال المحض، والحلال المحض لا نعرفه اليوم، فالدنيا عندنا: حلال، وحرام، وشبهات، فالحلال: حساب، والحرام: عذاب، والشبهات: عتاب؛ فأنزل الدنيا بمنزل الميتة، خذ منها ما يقيمك، فإن كانت حلالًا: كنت قد زهدت فيها، وإن كانت حرامًا: كنت قد أخذت منها ما يقيمك؛ لأنه لا يحل لك من الميتة، إلا قدر ما يقيمك؛ وإن كانت شبهات: كان فيها عتاب يسير.

* عن أبي الحسن بن أبي الورد قال: قال رجل: أتينا علي بن بكار، فقلنا له: حذيفة المرعشي يقرأ عليك السلام؛ فقال: عليكم وعليه السلام، إني لأعرفه يأكل الحلال منذ ثلاثين سنة.

* عن محمد بن موسى بن حماد اليزيدي قال: حمل إلى الحسن بن عبد العزيز الجروي ميراثه من مصر: مائة ألف دينار، فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس، في كل كيس ألف دينار؛ فقال: يا أبا عبد الله، هذه من ميراث حلال، فخذها، واستعن بها على عيلتك؛ قال: لا حاجة لي بها، أنا في كفاية؛ فردها، ولم يقبل منها شيئًا.

* كان غلام من الصيرفة يختلف إلى أحمد بن حنبل، فقاوله يومًا درهمين فقال: اشتر بهما كاغدًا، فخرج الغلام، واشترى له، وجعل في جوف الكاغد خمسمائة دينار، وشده، وأوصله إلى بيت أحمد؛ فسأل، وقال: حمل إلينا من البياض، فقالوا: بلى، فوضع بين يديه، فلما أن فتحه، تناثرت الدنانير؛ فردها في مكانها، وسأل عن الغلام، حتى دل عليه، فوضعه بين يديه؛ فتبعه الفتى، وهو يقول: الكاغد اشتريته بدراهمك، خذه؛ فأبى أن يأخذ الكاغد أيضًا.

* عن شقيق البلخي قال: لقيت إبراهيم بن أدهم في بلاد الشام، فقلت: يا إبراهيم، تركت خراسان؛ فقال: ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، ومن جبل إلى جبل، فمن يراني؟ يقول موسوس: ومن يراني؟ يقول: هو حمال؛ ثم قال لي: يا شقيق، لم ينبل عندنا من نبل بالحج، ولا بالجهاد، وإنما نبل عندنا من نبل: من كان يعقل ما يدخل جوفه ـ يعني: الرغيفين من حله ـ؛ ثم قال: يا شقيق، ما إذا أنعم الله على الفقراء، لا يسألهم يوم القيامة: لا عن زكاة، ولا عن حج، ولا عن جهاد، ولا عن صلة رحم؛ إنما يسأل هؤلاء المساكين ـ يعني: الأغنياء ـ.

* عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان رجل من بني إسرائيل يعمل بمسحاة له، فاصاب أباه، فشجه؛ فقال: لا تصحبني، من فعل بأبي ما فعل؛ فقطع يده، فبلغ ذلك بني إسرائيل، ثم إن إبنة الملك أرادت أن تصلي في بيت المقدس، فقال: من يبعث بها؟ قالوا: فلان، قال: فبعث إليه، فقال: إعفني، فقال: لا، قال: فأجلني إذًا أيامًا؛ قال: فذهب، فقطع مذاكيره، فلما برأ، وضع مذاكيره في حق، ثم جاء به، وخاتمه عليه؛ فقال: هذه وديعتي عندك، فاحفظها؛ قال: ونزله الملك منزلًا منزلًا: أنزل يوم كذا كذا، ويوم كذا كذا وكذا، فإذا أتيت بيت المقدس، فأقم فيه كذا وكذا، فإذا أقبلت، فأنزل يوم كذا كذا وكذا، ويوم كذا كذا وكذا؛ فوقت له وقتًا معلومًا، فلما سار، جعلت ابنة الملك لا ترتفع به: تنزل حيث شاءت، وترتحل متى شاءت، وجعل إنما هو يحرسها، وينام عندها؛ فلما قدم عليه، قالوا له: إنما كان ينام عندها؛ فقال له الملك: خالفت أمري، وأراد قتله، فقال: أردد علي وديعتي، فلما ردها، فتح الحق، وكشف عن مثل الراحة؛ ففشى ذلك في بني إسرائيل، قال: فمات قاض لهم، فقالوا: من نجعل مكانه؟ قالوا: فلان، قال: فأبى، فلم يزالوا به، حتى قال: دعوني حتى أنظر في أمري؛ قال: فكحل عينيه بشيء، حتى ذهب بصره، قال: ثم جلس على القضاء، قال: فقام ليلة، فدعا الله، فقال: اللهم، إن كان هذا الذي صنعت لك رضى، فاردد على خلقي أحسن ما كان؛ قال: فأصبح، وقد رد الله عليه بصره ومقلتيه: أحسن ما كانتا، ويده، ومذاكيره.

* عن علي بن هشام القرشي قال: جاء سفيان الثوري إلى صيرفي بمكة، يشتري منه دراهم بدينار، فأعطاه الدينار، وكان معه آخر، فسقط من سفيان، فطلبه، فإذا إلى جانبه دينار آخر؛ فقال له الصيرفي: خذ دينارك، قال: ما أعرفه؛ قال: خذ الناقص، قال: فلعله الزائد؛ قال: فتركه ومضى.

* عن خلف بن تميم قال: قلت لإبراهيم بن أدهم: مذ كم نزلت بالشام؟ قال: منذ أربع وعشرين سنة، ما نزلتها لجهاد، ولا لرباط؛ فقلت: لأي شئ نزلتها؟ قال: لأشبع من خبز حلال.

* عن الحكيم ـ يعني: ابن عمر ـ قال: شهدت عمر بن عبد العزيز، وأرسل غلامه يشوى بكبكبة من لحم، فعجل بها؛ فقال: أسرعت بها، قال: شويتها في نار المطبخ، وكان للمسلمين مطبخ، يغديهم، ويعشيهم؛ فقال لغلامه: كلها يا بني، فإنك رزقتها، ولم أرزقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت