* عن الشعبي قال: ما جلس الربيع في مجلس منذ تأزر؛ وقال: أخاف أن يظلم رجلًا: فلا أنصره؛ أو يعتدي رجل على رجل: فأكلف عليه الشهادة، ولا أغض البصر، ولا أهدي السبيل؛ أو يقع الحامل: فلا أحمل عليه.
* عن الحسن: أن هرم بن حيان كان على بعض تلك المغازي، فاستأذنه رجل ـ وهو يرى أنه يستأذنه لبعض الحوائج ـ فلحق بأهله، فلبث ما لبث؛ ثم جاء، فقال له: أين كنت؟
قال: استأذنتك يوم كذا، فأذنت لي.
قال: فأردت ذلك لذلك؟
قال: نعم.
قال أبو الأشهب: فبلغني أنه قال لذلك الرجل قولًا شديدًا، ولم يكلمه أحد من جلسائه، بحيث رأوا غضبه، وهو يقول لأخيه ما يقول؛ فقال لهم: جزاكم الله من جلساء شرًا، تروني أقول لأخي ما أقول، ولم ينهني أحد منكم عن ذلك! اللهم، خلف رجال السوء لزمان السوء.
* عن يزيد عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني، وكان لا يجالس أحدًا قط، ولا يتكلم في شيء من أمر الدنيا: إلا تحول عنه؛ فدخل ذات يوم المسجد، فنظر إلى نفر قد اجتمعوا، فرجا أن يكونوا على ذكر خير؛ فجلس إليهم، فإذا بعضهم يقول: قدم غلامي، فأصاب كذا وكذا، وقال آخر: جهزت غلامي؛ فنظر إليهم، فقال: سبحان الله، أتدرون ما مثلي ومثلكم؟
كرجل أصابه مطر غزير وابل، فالتفت، فإذا هو بمصرعين عظيمين؛ فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر، فدخل، فإذا البيت لا سقف له.
جلست إليكم، وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير، فإذا أنتم أصحاب الدنيا.
وقال له قائل حين كبر ورق: لو قصرت عن بعض ما تصنع؟
فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الخيلة، ألستم تقولون لفارسها: دعها، وارفق بها؛ حتى إذا رأيتم الغاية، فلا تستبقوا منها شيئًا؟
قالوا: بلى.
قال: فإني أبصرت الغاية، وإن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، فسابق ومسبوق.
* عن معاوية بن قرة قال: مكتوب في الحكمة: لا تجالس بحلمك السفهاء، ولا تجالس بسفهك العلماء.
* عن معاوية بن قرة عن أبيه، قال: يا بني، إذا كنت في مجلس ترجو خيره، فعجلت بك حاجة.
فقلت: السلام عليكم؛ فأنت شريكهم فيما يصيبون من ذلك المجلس.
* عن معلى الوراق قال: كنا يومًا جلوسًا عند مالك بن دينار، فتكلم مالك؛ فجاء أبو عبيدة بحبل من ليف في طرفه عروتان، فألقى عروه في عنق مالك، وعروة في عنق نفسه.
فقال مالك: عد أني وأنت بين يدي الله عز وجل، فماذا تقول؟
قال: فبكى، وأبكى القوم.
* عن عطاء بن أبي رباح قال: من جلس مجلس ذكر: كفر الله عنه بذلك المجلس: عشرة مجالس من مجالس الباطل؛ وإن كان في سبيل الله: كفر الله بذلك المجلس: سبعمائة مجلس من مجالس الباطل.
قال أبو هزان: قلت لعطاء: ما مجلس الذكر؟
قال: مجلس الحلال، والحرام، وكيف تصلي، وكيف تصوم، وكيف تنكح، وكيف تطلق، وتبيع، وتشتري.
* عن عمرو بن دينار قال: الأواب: الحفيظ، الذي لا يقوم من مجلس له، إلا استغفر الله عز وجل؛ يقول: اللهم، اغفر لنا ما أصبنا في مجلسنا، سبحان الله وبحمده.
* عن الزهري قال: إذا طال المجلس: كان للشيطان فيه نصيب.
* عن شبيل بن عوف قال: ما جلست في مجلس قط: إلا انتظار جنازة، أو لحاجة.
* عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا: أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو من أحسن ما عنده من حديثه.
* عن عون بن عبد الله قال: كنا نأتي أم الدرداء، فنذكر الله عندها.
قال: فاتكأت ذات يوم، فقيل لها: لعلنا أن نكون قد أمللناك يا أم الدردآء؟
فجلست، فقالت: أزعمتم أنكم قد أمللتموني؟ قد طلبت العبادة بكل شئ، فما وجدت شيئًا أشفى لصدري، ولا أحرى أن أدرك ما أريد: من مجالسة أهل الذكر.
* عن معن قال: كان عون بن عبد الله أحيانًا يلبس الخز، وأحيانًا يلبس الصوف، والبت ـ البت: كساء غليظ مربع ـ ونحوه؛ قال: فقيل له في ذلك.
فقال: ألبس الخز: لئلا يستحي ذو الهيئة أن يجلس إلي؛ وألبس الصوف: لئلا يهابني ضعفاء الناس أن يجلسوا إلي.
* عن الشعبي قال: من اجتنب مجلس حيه: كثر علمه، وزكى عمله.
* قال أبو عبد الملك: كنا جلوسًا عند حبيب بن أبي ثابت، ومعنا الربيع بن أبي راشد، والربيع محتب؛ فجاء رجل، فتكلم بكلام من كلام الناس؛ فحل الربيع حبوته، وانتعل، ثم قام فخرج.
فقال حبيب للرجل: ما صنعت؟ أفسدت علينا مجلسنا.
* عن أبي جميلة قال: كان ابن أبي زكريا لا يذكر في مجلسه أحد؛ يقول: إن ذكرتم الله: أعناكم، وإن ذكرتم الناس: تركناكم.
* عن ميمون بن مهران قال: قلت لعمر ليلة: يا أمير المؤمنين، ما بقاؤك على ما أرى؛ أما في أول الليل: فأنت في حاجات الناس؛ وأما وسط الليل: فأنت مع جلسائك؛ وأما آخر الليل: فالله أعلم ما تصير إليه.
قال: فضرب على كتفي، وقال: ويحك يا ميمون، إني وجدت لقيا الرجال تلقيحا لألبابهم.
* عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه، قال: جلسنا إلى كعب الأحبار في المسجد وهو يحدث، فجاء عمر، فجلس في ناحية القوم، فناداه؛ فقال: ويحك يا كعب، خوفنا.
قال: والذي نفسي بيده، إن النار لتقرب يوم القيامة، لها زفير وشهيق، حتى إذا أدنيت وقربت: زفرت زفرة؛ فما خلق الله من نبي، ولا صديق، ولا شهيد: إلا جثا لركبتيه ساقطًا، حتى يقول كل نبي، وصديق، وشهيد: اللهم، لا أكلفك اليوم إلا نفسي؛ ولو كان لك يا ابن الخطاب عمل سبعين نبيًا: لظننت أن لا تنجو.
قال عمر: والله، إن الأمر لشديد.
* عن حسان بن عطية قال: ما جلس قوم مجلس لغو، فختموا بالاستغفار: إلا كتب مجلسهم ذلك استغفارا كله.
* قال عبد الواحد بن زيد: جالسوا أهل الدين، فإن لم تجدوهم: فجالسوا أهل المروءات، فإنهم لا يرفثون في مجالسهم.
* عن محمد بن علي في حديث الثوري: وما رأيت الثوري في صدر مجلس قط، إنما كان يقعد إلى جنب الحائط، ويجمع بين ركبتيه.
* جلس سفيان الثوري ومالك بن مغول، فتذاكرا، حتى رقا؛ فقال سفيان: وددت أني لا أقوم من مجلسي، حتى أموت؛ فقال مالك: لكني لا أحب ذلك، معاينة الرسل، معاينة الرسل؛ ثم قام يبكي، يخط الأرض برجليه.
* عن مبارك أبو حماد قال: سمعت سفيان الثوري يقول لعلي ابن الحسن السليمي: إياك وما يفسد عليك عملك وقلبك، فإنما يفسد عليك قلبك: مجالسة أهل الدنيا، وأهل الحرص، وإخوان الشياطين: الذين ينفقون أموالهم في غير طاعة الله؛ وإياك وما يفسد عليك دينك، فإنما يفسد عليك دينك: مجالسة ذوي الألسن، المكثرين للكلام.
وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما يفسد عليك معيشتك: أهل الحرص، وأهل الشهوات.
وإياك ومجالسة أهل الجفاء، ولا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي؛ ولا تصحب الفاجر، ولا تجالسه، ولا تجالس من يجالسه، ولا تؤاكله، ولا تؤاكل من يؤاكله، ولا تحب من يحبه، ولا تفش إليه سرك، ولا تبسم في وجهه، ولا توسع له في مجلسك؛ فإن فعلت شيئًا من ذلك: فقد قطعت عرى الإسلام.
وإياك وأبواب السلطان، وأبواب من يأتي أبوابهم، وأبواب من يهوى هواهم؛ فإن فتنهم مثل فتن الدجال، فإن جاءك منهم أحد: فانظر إليه بوجه مكفهر، ولا تبال منهم شيئًا، فيرون أنهم على الحق، فتكون من أعوانهم؛ فإنهم لا يخالطون أحدًا: إلا دنسوه؛ وكن مثل الأترجة: طيبة الريح، طيبة الطعم؛ لا تنازع أهل الدنيا في دنياهم: تكن محببًا إلى الناس.
وإياك والمعصية، فتستحق سخط الله؛ واعلم: أنه لم يكن أحد أكرم على الله من آدم عليه السلام: جبل الله تربته بيده، ونفخ فيه من روحه، وأكرمه بسجود ملائكته، وأسكنه جنته؛ فأخرجه منها بذنب واحد.
واعلم يا أخي: أن الله تعالى لا يدخل أحدًا الجنة بالمعاصي، وأن داود عليه السلام خليفة الله في الأرض: نزل ما نزل به بخطيئة واحدة، ولو أنا عملنا مثلها، لقلنا: ليست بخطيئة؛ فاتق الله يا أخي، واجتنب المعاصي وأهلها؛ فإن أهل المعاصي: استوجبوا من الله النقمة.
وكن مبذولًا بمالك ونفسك لإخوانك، ولا تغشهم في السرور والعلانية، وابغض الجهال ومجالستهم، والفجار وصحبتهم؛ فإنه لا ينجو من جاورهم، إلا من عصم الله؛ وإذا كنت مع الناس: فعليك بكثرة التبسم والبشاشة؛ وإذا خلوت بنفسك: فعليك بكثرة البكاء، والهم، والحزن؛ فقد بلغنا والله أعلم: أن أكثر ما يجد المؤمن يوم القيامة في كتابه من الحسنات: الهم، والحزن.
وإياك وخشوع النفاق، وأن تظهر على وجهك خشوعًا ليس في قلبك.
(7/ 47ـ48)
* عن بكر بن محمد العابد قال: قلت لسفيان الثوري: دلني على رجل أجلس إليه؛ قال: تلك ضالة لا توجد.
* عن سفيان بن عيينة قال: الأواب: الحفيظ، الذي لا يقوم من مجلسه، حتى يستغفر الله عز وجل ويتوب.
* عن مساور الوراق يقول: إنما تطيب المجالس: بخفة الجلساء.
* عن ابن السماك قال: كلمت داود الطائي، قلت: لو جالست الناس؛ قال: إنما أنت بين اثنين: بين صغير لا يوقرك، وبين كبير يحصى عليك عيوبك.
* قال داود الطائي: تركتنا الذنوب، وإنا نستحي من كثير من مجالسة الناس.
* عن إبراهيم بن أدهم قال: حب لقاء الناس: من حب الدنيا، وتركهم: من ترك الدنيا.
* قال إبراهيم بن أدهم: كنا إذا سمعنا بالشاب يتكلم في المجلس، أيسنا من خيره.
* عن إبراهيم بن أدهم قال: كنا إذا رأينا الحدث يتكلم مع الكبار: أيسنا من خلاقه، ومن كل خير عنده.
* عن الفضيل بن عياض قال: كان يقال: كن شاهدًا لغائب، ولا تكن غائبًا لشاهد؛ قال: كأنه يقول: إذا كنت في جماعة الناس: فأخف شخصك، وأحضر قلبك وسمعك، وع ما تسمع، فهذا شاهد لغائب؛ ولا تكن غائبًا لشاهد؛ قال: كأنه يقول: تحضر المجالس: بيديك وسمعك وقلبك لامساه.
(8/ 87ـ88)
* عن وهيب بن الورد قال: ما اجتمع قوم في مجلس أو ملأ: إلا كان أولاهم بالله: الذي يفتتح بذكر الله، حتى يفيضوا في ذكره؛ وما اجتمع قوم في مجلس أو ملأ، إلا كان أبعدهم من الله: الذي يفتتح بالشر، حتى يخوضوا فيه.
(8/ 153ـ154)
* عن شقيق بن إبراهيم البلخي قال: قيل لابن المبارك: إذا صليت معنا، لم لا تجلس معنا؟ قال: أذهب مع الصحابة والتابعين؛ قلنا له: ومن أين الصحابة والتابعون؟ قال: أذهب أنظر في علمي، فأدرك آثارهم وأعمالهم؛ فما أصنع معكم، أنتم تغتابون الناس؟ فإذا كان سنة ثمانين: فالبعد من كثير من الناس أقرب إلى الله، وفر من الناس كفرارك من الأسد، وتمسك بدينك، يسلم لك مجهودك.
(8/ 164ـ165)
* قال عبد الله بن المبارك: وما أعياني شيء، كما أعياني: أني لا أجد أخا في الله.
* كان رجل من ولد عبد الله بن مسعود يجلس في مجلس ابن السماك، فكان يطيل السكوت؛ فقال له ابن السماك ذات يوم: يا فتى، ألا تخوض فيما يخوض فيه القوم من الحديث؟ فقال: إنما قعدت لأسمع، وأنصت لأفهم؛ وما كان من الحديث لغير الله: فعاقبته الندم؛ فقال: خرجت والله من معدن.
* عن عبيد الله بن محمد الكرماني: دخلت على محمد بن النضر الحارثي، فقلت له: كأنك تكره مجالسة الناس؟ قال: أجل؛ قلت له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش، وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟.
* قال بشر بن الحارث: يا أبا زكريا، من جلس والأقداح تدور: لا تقبل شهادته.
* عن عبيد بن عمير قال: قال لقمان لابنه: يا بني، اختر المجالس على عينك، فإذا رأيت المجلس يذكر الله فيه: فاجلس معهم، فإنك إن كنت عالما: ينفعك علمك، وإن كنت غبيًا: يعلمونك، وإن يطلع الله عز وجل: برحمة تصبك معهم؛ يا بني: تباعد، لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله عز وجل فيه؛ فإنك إن كنت عالمًا: لا ينفعك علمك، وإن تك غبيًا: يزيدوك غباء، وإن يطلع الله عز وجل إليكم بعد ذلك بسخط: يصبك معهم؛ ولا تغبطن امرأ رحب الذراعين، يسفك دماء المؤمنين؛ فإن له عند الله عز وجل قاتلًا لا يموت.
* عن مالك بن أنس قال: كان نافع يجالس زياد بن أبي زياد، فمات زياد، فكان نافع يمر بنا، فنقول: ألا نوسع لك رحمك الله؟ قال: فيأبى، ويقول: اتقوا هذه المجالس.
* وكان يقول: جالسوا الله كثيرًا، وجالسوا الناس قليلًا.
* وكان يقول: مجالسة الأضداد: ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال: تلقيح للعقول؛ وليس كل من يصلح للمجالسة: يصلح للمؤانسة؛ وليس كل من يصلح للمؤانسة: يؤمن على الأسرار؛ ولا يؤمن على الأسرار: إلا الأمناء، فقط.