فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 392

* عن يحيى بن أبي كثير: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان يقول في خطبته: أين الوضآء، الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؛ أين الملوك: الذين بنوا المدائن، وحصنوها بالحيطان؛ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب: قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور؛ الوحا الوحا، النجاء النجاء.

(1/ 34ـ35)

* عن عبد الله بن عكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فقال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله تعالى أثنى على زكريا، وعلى أهل بيته، فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] .

ثم اعلموا عباد الله: أن الله تعالى قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي؛ وهذا كتاب الله فيكم: لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره؛ فصدقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستبصروا فيه ليوم الظلمة؛ فإنما خلقكم للعبادة، ووكل بكم الكرام الكاتبين، يعلمون ما تفعلون.

ثم اعلموا عباد الله: أنكم تغدون وتروحون، في أجل قد غيب عنكم علمه؛ فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله: فافعلوا؛ ولن تستطيعوا ذلك، إلا بالله.

فسابقوا في مهل آجالكم، قبل أن تنقضي آجالكم، فيردكم إلى أسوأ أعمالكم؛ فإن أقواما جعلوا آجالهم لغيرهم، ونسوا أنفسهم؛ فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم؛ الوحا الوحا، النجا النجا؛ إن وراءكم طالب حثيث، أمره سريع.

* عن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط قال: لما حضر أبا بكر الموت: دعا عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال له: اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عز وجل عملًا بالنهار، لا يقبله بالليل، وعملًا بالليل، لا يقبله بالنهار؛ وأنه لا يقبل نافلة، حتى تؤدى الفريضة.

وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة: باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم؛ وحق لميزان يوضع فيه الحق غدًا: أن يكون ثقيلًا؛ وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة: باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم؛ وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدًا: أن يكون خفيفًا.

وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأخاف أن لا ألحق بهم؛ وإن الله تعالى ذكر أهل النار، فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم أحسنه؛ فإذا ذكرتهم، قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء، فيكون العبد راغبًا راهبًا، لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمته عز وجل.

فإن أنت حفظت وصيتي: فلا يكن غائب أحب إليك من الموت، وهو آتيك؛ وإن أنت ضيعت وصيتي: فلا يكن غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجزه.

* عن علي - رضي الله عنه - قال: ليس الخير: أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير: أن يكثر علمك، ويعظم حلمك، وأن تباهى الناس بعبادة ربك؛ فإن أحسنت: حمدت الله، وإن أسأت: استغفرت الله؛ ولا خير في الدنيا، إلا لأحد رجلين: رجل أذنب ذنبًا، فهو تدارك ذلك بتوبة؛ أو رجل يسارع في الخيرات، ولا يقل عمل في تقوى، وكيف يقل ما يتقيل؟.

* قال علي بن أبي طالب: أيها الناس، إنكم والله، لو حننتم حنين الوله العجال، ودعوتم دعاء الحمام، وجأرتم جؤار متبتلي الرهبان، ثم خرجتم إلى الله من الأموال والأولاد: التماس القربة إليه في ارتفاع درجة عنده، أو غفران سيئة أحصاها كتبته: لكان قليلًا فيما أرجو لكم من جزيل ثوابه، وأتخوف عليكم من أليم عقابه.

فبالله بالله بالله، لو سالت عيونكم رهبة منه ورغبة إليه، ثم عمرتم في الدنيا: ما الدنيا باقية؛ ولو لم تبقوا شيئًا من جهدكم، لأنعمه العظام عليكم، بهدايته إياكم للإسلام ما كنتم تستحقون به الدهر، ما الدهر قائم بأعمالكم جنته؛ ولكن برحمته ترحمون، وإلى جنته يصير منكم المقسطون؛ جعلنا الله وإياكم من التائبين العابدين.

* عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده: أن عليًا شيع جنازة، فلما وضعت في لحدها: عج أهلها وبكوا؛ فقال: ما تبكون؟ أما والله، لو عاينوا ما عاين ميتهم: لأذهلتهم معاينتهم عن ميتهم؛ وإن له فيهم لعودة ثم عودة، حتى لا يبقى منهم أحدًا.

ثم قام، فقال: أوصيكم عباد الله بتقوى الله: الذي ضرب لكم الأمثال، ووقت لكم الآجال، وجعل لكم أسماعًا تعي ما عناها، وأبصارًا لتجلوا عن غشاها، وأفئدة تفهم ما دهاها في تركيب صورها، وما أعمرها؛ فإن الله لم يخلقكم عبثًا، ولم يضرب عنكم الذكر صفحًا؛ بل أكرمكم بالنعم السوابغ، وأرفدكم بأوفر الروافد، وأحاط بكم الإحصاء، وأرصد لكم الجزاء في السراء والضراء.

فاتقوا الله عباد الله، وجدوا في الطلب، وبادروا بالعمل مقطع النهمات، وهادم اللذات؛ فإن الدنيا: لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجائعها، غرور حائل، وشبح فائل، وسناد مائل؛ يمضي مستطرفًا، ويردي مستردفًا: باتعاب شهواتها، وختل تراضعها.

اتعظوا عباد الله بالعبر، واعتبروا بالآيات والأثر، وازدجروا بالنذر، وانتفعوا بالمواعظ؛ فكأن قد علقتكم مخالب المنية، وضمكم بيت التراب، ودهمتكم مقطعات الأمور بنفخة الصور، وبعثرة القبور، وسياقة المحشر، وموقف الحساب، بإحاطة قدرة الجبار؛ كل نفس معها سائق يسوقها لمحشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها؛ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الزمر: 69] . فارتجت لذلك اليوم البلاد، ونادى المناد وكان يوم التلاق، وكشف عن ساق؛ وكسفت الشمس، وحشرت الوحوش مكان مواطن الحشر، وبدت الأسرار، وهلكت الأشرار، وارتجت الأفئدة.

فنزلت بأهل النار من الله سطوة مجيحة، وعقوبة منيحة، وبرزت الجحيم: لها كلب ولجب، وقصيف رعد، وتغيظ، ووعيد، تأجج جحيمها، وغلا حميمها، وتوقد سمومها؛ فلا ينفس خالدها، ولا تنقطع حسراتها، ولا يقصم كبولها؛ معهم ملائكة يبشرونهم: بنزل من حميم، وتصلية جحيم؛ عن الله محجوبون، ولأوليائه مفارقون، وإلى النار منطلقون.

عباد الله، اتقوا الله: تقية من كنع فخنع، ووجل فرحل، وحذر فابصر فازدجر؛ فاحتث طلبًا، ونجا هربًا؛ وقدم للمعاد، واستظهر بالزاد؛ وكفى بالله منتقمًا وبصيرًا؛ وكفى بالكتاب خصمًا وحجيجًا، وكفى بالجنة ثوابًا، وكفى بالنار وبالًا وعقابًا؛ وأستغفر الله لي ولكم.

(1/ 77ـ79)

* عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه كان يسير في العسكر، فيقول: ألا رب مبيض لثيابه: مدنس لدينه، ألا، رب مكرم لنفسه: وهو لها مهين؛ ادرءوا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات؛ فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السماء، ثم عمل حسنة: لعلت فوق سيئاته، حتى تقهرهن.

* عن عبدالله بن عكيم قال: سمعت ابن مسعود في هذا المسجد: يبدأ باليمين قبل الكلام؛ فقال: ما منكم من أحد، إلا أن ربه تعالى سيخلو به، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر؛ فيقول: يا ابن آدم، ما غرك بي؟ ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين؟ ابن آدم، ماذا عملت فيما علمت؟.

* قال عبد الله بن مسعود: إن أصدق الحديث: كتاب الله عز وجل، وأوثق العرى: كلمة التقوى، وخير الملل: ملة إبراهيم، وأحسن السنن: سنة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وخير الهدى: هدى الأنبياء، وأشرف الحديث: ذكر الله، وخير القصص: القرآن، وخير الأمور: عواقبها، وشر الأمور: محدثاتها؛ وما قل وكفى: خير مما كثر وألهى، ونفس تنجيها: خير من أمارة لا تحصيها.

وشر العذيلة: حين يحضر الموت، وشر الندامة: ندامة القيامة، وشر الضلالة: الضلالة بعد الهدى.

وخير الغنى: غنى النفس، وخير الزاد: التقوى، وخير ما ألقى في القلب: اليقين، والريب من الكفر، وشر العمى: عمى القلب، والخمر: جماع كل إثم، والنساء: حبالة الشيطان، والشباب: شعبة من الجنون، والنوح: من عمل الجاهلية.

ومن الناس من لا يأتي الجمعة: إلا دبرًا، ولا يذكر الله: إلا هجرًا.

وأعظم الخطايا: الكذب، وسباب المؤمن: فسوق، وقتاله: كفر، وحرمة ماله: كحرمة دمه، ومن يعف: يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ: يأجره الله، ومن يغفر: يغفر الله له، ومن يصبر على الرزية: يعقبه الله.

وشر المكاسب: كسب الربا، وشر المأكل: مال اليتيم، والسعيد: من وعظ بغيره، والشقي: من شقي في بطن أمه.

وإنما يكفي أحدكم: ما قنعت به نفسه، وإنما يصير إلى أربعة أذرع، والأمر: إلى آخرة، وملاك العمل: خواتمه، وشر الروايا: روايا الكذب، وأشرف الموت: قتل الشهداء، ومن يعرف البلاء: يصبر عليه، ومن لا يعرفه: ينكر، ومن يستكبر: يضعه، ومن يتولى الدنيا: تعجز عنه، ومن يطع الشيطان: يعص الله، ومن يعص الله: يعذبه.

(1/ 138ـ139)

* قال علي بن أبي طالب: طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، ورضي عن الله عز وجل.

* عن سفيان الثوري قال: قام أبو ذر الغفاري عند الكعبة؛ فقال: يا أيها الناس، أنا جندب الغفاري، هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق؛ فاكتنفه الناس، فقال: أرأيتم، لو أن أحدكم أراد سفرًا: أليس يتخذ من الزاد، ما يصلحه ويبلغه؟

قالوا: بلى.

قال: فسفر طريق القيامة أبعد ما تريدون، فخذوا منه ما يصلحكم.

قالوا: ما يصلحنا؟

قال: حجوا حجةً: لعظام الأمور، صوموا يومًا شديدًا حره: لطول النشور، صلوا ركعتين في سواد الليل: لوحشة القبور، كلمة خير تقولها، أو كلمة سوء تسكت عنها: لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك: لعلك تنجو من عسيرها؛ اجعل الدنيا مجلسين: مجلسًا في طلب الآخرة، ومجلسًا في طلب الحلال، والثالث: يضرك ولا ينفعك: لا تريده، اجعل المال درهمين: درهمًا تنفقه على عيالك من حله، ودرهما تقدمه لآخرتك، والثالث: يضرك ولا ينفعك: لا تريده.

ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس، قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدًا.

* قال خالد بن عمير: خطبنا عتبة بن غزوان، قال: أيها الناس، إن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها، إلا صبابة كصبابة الإناء؛ ألا وإنكم في دار أنتم متحولون منها، فانتقلوا بصالح ما بحضرتكم.

وإني أعوذ بالله: أن أكون في نفسي عظيمًا، وعند الله صغيرًا؛ وإنكم والله، لتبلون الأمراء من بعدي؛ وإنه والله، ما كانت نبوة قط إلا تناسخت، حتى تكون ملكًا وجبرية.

وإني رأيتني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سابع سبعة، ومالنا طعام: إلا ورق الشجر، حتى قرحت أشداقنا؛ فوجدت بردة، فشققتها بنصفين، فأعطيت نصفها سعد بن مالك، ولبست نصفها؛ فليس من أولئك السبعة اليوم رجل حي، إلا وهو أمير مصر من الأمصار.

فيا للعجب: للحجر يلقى من رأس جهنم، فيهوي سبعين خريفًا، حتى يتقرر في أسفلها.

والذي نفسي بيده: لتملأن جهنم، أفعجبتم؟ وإن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة: مسيرة أربعين عامًا؛ وليأتين عليه يوم، وما فيها باب: إلا وهو كظيظ.

* عن جرير قال: قال سلمان - رضي الله عنه: يا جرير، تواضع لله؛ فإنه: من تواضع لله تعالى في الدنيا: رفعه يوم القيامة.

يا جرير، هل تدري ما الظلمات يوم القيامة؟ قلت: لا أدري؛ قال: ظلم الناس بينهم في الدنيا.

قال: ثم أخذ عويدًا لا أكاد أن أراه بين أصبعيه، قال: يا جرير، لو طلبت في الجنة مثل هذا العود: لم تجده؛ قال: قلت: يا أبا عبد الله، فأين النخل والشجر؟ قال: أصولها: اللؤلؤ والذهب، وأعلاها: الثمر.

* عن جعفر بن برقان قال: بلغنا: أن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان يقول: أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث: ضحكت من مؤمل الدنيا، والموت يطلبه؛ وغافل لا يغفل عنه؛ وضاحك ملء فيه، لا يدري أمسخط ربه، أم مرضيه؛ وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة، محمد وحزبه؛ وهول المطلع عند غمرات الموت؛ والوقوف بين يدي رب العالمين، حين لا أدري: إلى النار انصرافي، أم إلى الجنة.

* قال أبو الدرداء - رضي الله عنه: اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدوا أنفسكم من الموتى؛ واعلموا: أن قليلًا يغنيكم، خير من كثير يلهيكم؛ واعلموا: أن البر لا يبلى، وأن الإثم لا ينسى.

* عن معمر عن صاحب له: أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان رضي الله تعالى عنهما: يا أخي، اغتنم صحتك وفراغك: قبل أن ينزل بك من البلاء، ما لا يستطيع العباد رده؛ واغتنم دعوة المبتلى.

ويا أخي، ليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن المساجد بيت كل تقي وقد ضمن الله عز وجل لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والراحة والجواز على الصراط إلى رضوان الرب عز وجل» .

ويا أخي، ارحم اليتيم، وأدنه منك، وأطعمه من طعامك؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ـ وأتاه رجل يشتكي قساوة قلبه ـ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أتحب أن يلين قلبك؟» فقال: نعم؛ قال: «أدن اليتيم منك، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك؛ فإن ذلك يلين قلبك، وتقدر على حاجتك» .

ويا أخي، لا تجمع ما لا تستطيع شكره؛ فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يجاء بصاحب الدنيا يوم القيامة، الذي أطاع الله تعالى فيها، وهو بين يدي ماله، وماله خلفه؛ كلما تكفأ به الصراط، قال له ماله: امض، فقد أديت الحق الذي عليك» قال: «ويجاء بالذي لم يطع الله فيه، وماله بين كتفيه؛ فيعثره ماله، ويقول له: ويلك، هلا عملت بطاعة الله عز وجل في؛ فلا يزال كذلك: حتى يدعو بالويل» .

ويا أخي، إني حدثت: أنك اشتريت خادمًا؛ وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يزال العبد من الله، وهو منه: ما لم يخدم، فإذا خدم: وجب عليه الحساب» . وإن أم الدرداء سألتني خادمًا، وأنا يومئذ موسر؛ فكرهت ذلك لما سمعت من الحساب.

ويا أخي، من لي ولك: بأن نوافي يوم القيامة، ولا نخاف حسابًا؟

ويا أخي، لا تغترن بصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنا قد عشنا بعده دهرًا طويلًا؛ والله أعلم بالذي أصبنا بعده. رواه ابن جابر والمطعم بن المقدام عن محمد بن واسع: أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان مثله.

* قال أبو الدرداء: لو تعلمون ما أنتم راءون بعد الموت، لما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة، ولا دخلتم بيتا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعدات: تضربون صدوركم، وتبكون على أنفسكم، ولوددت أنكم شجرة تعضد، ثم تؤكل.

* عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال: بلغني، أن أبا الدرداء كتب إلى أخ له: أما بعد، فلست في شيء من أمر الدنيا، إلا وقد كان له أهل قبلك، وهو صائر له أهل بعدك، وليس لك منه إلا ما قدمت لنفسك؛ فآثرها على المصلح من ولدك، فإنك تقدم على من لا يعذرك، وتجمع لمن لا يحمدك؛ وإنما تجمع لواحد من اثنين: إما عامل فيه بطاعة الله: فيسعد بما شقيت به؛ وإما عامل فيه بمعصية الله: فتشقى بما جمعت له؛ وليس والله واحد منهما بأهل: أن تبرد له على ظهرك، ولا تؤثره على نفسك؛ ارج لمن مضى منهم رحمة الله، وثق لمن بقي منهم رزق الله؛ والسلام.

* عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أن رجلًا قال لأبي الدرداء: علمني كلمة ينفعني الله عز وجل بها؛ قال: وثنتين، وثلاثًا، وأربعًا، وخمسًا: من عمل بهن، كان ثوابه على الله عز وجل: الدرجات العلا.

قال: لا تأكل إلا طيبًا، ولا تكسب إلا طيبًا، ولا تدخل بيتك إلا طيبًا؛ وسل الله عز وجل، يرزقك يومًا بيوم؛ وإذا أصبحت: فاعدد نفسك من الأموات، فكأنك قد لحقت بهم، وهب عرضك الله عز وجل؛ فمن سبك، أو شتمك، أو قاتلك: فدعه لله عز وجل؛ وإذا أسأت: فاستغفر الله عز وجل.

* قال أبو هريرة: إذا رأيتم ستًا، فإن كانت نفس أحدكم في يده، فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني: إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون بالدم، وقطعت الأرحام، وقطعت الجلاوزة، ونشأ نشء يتخذون القرآن مزامير.

* قيل للربيع بن خيثم: كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين: نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت