* عن زاذان عن سلمان - رضي الله عنه - قال: إن الله تعالى إذا أراد بعبد شرًا، أو هلكة: نزع منه الحياء، فلم تلقه إلا مقيتًا ممقتًا؛ فإذا كان مقيتًا ممقتًا، نزعت منه الرحمة؛ فلم تلقه إلا فظًا غليظًا، فإذا كان كذلك، نزعت منه الأمانة، فلم تلقه إلا خائنًا مخونًا؛ فإذا كان كذلك، نزعت ربقة الإسلام من عنقه، فكان لعينًا ملعنًا.
* عن علي بن أبي طالب عليه السلام، أنه قال: قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبي، فقال علي لفاطمة: إئتي أباك، فسليه خادمًا، تقي به العمل؛ فأتت أباها حين أمست، فقال لها: «مالك يا بنية؟» قالت: لا شيء، جئت لأسلم عليك؛ واستحيت أن تسأل شيئًا، فلما رجعت، قال لها علي: ما فعلت؟ قالت: لم أسأله شيئًا، واستحييت منه؛ حتى إذا كانت الليلة القابلة، قال لها: إئتي أباك، فسليه خادمًا، تتقين به العمل؛ فأتت أباها، فاستحيت أن تسأله شيئًا؛ حتى إذا كانت الليلة الثالثة مساءً، خرجنًا جميعًا، حتى أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ما أتى بكما؟» فقال علي: يا رسول الله، شق علينا العمل، فأردنا أن تعطينا خادمًا نتقي به العمل؛ فقال لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «هل أدلكما على خير لكما من حمر النعم؟» قال علي: يا رسول الله، نعم؛ قال: «تكبيرات، وتسبيحات، وتحميدات، مائة، حين تريدا أن تناما، فتبيتا على ألف حسنة؛ ومثلها حين تصبحان، فتقومان على ألف حسنة» ؛ فقال علي: فما فاتتني، منذ سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا ليلة صفين، فإني نسيتها، حتى ذكرتها من آخر الليل، فقلتها.
* عن عروة بن الزبير عن أبيه: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه خطب الناس، فقال: يا معشر المسلمين، استحيوا من الله عز وجل؛ فوالذي نفسي بيده، إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء، متقنعًا بثوبي، استحياء من ربي عز وجل.
* عن عمر بن ذر عن مجاهد قال: أوحى الله إلى الملكين: أخرجا آدم وحواء من الجنة، فإنهما قد عصياني؛ فالتفت آدم إلى حواء باكيًا، وقال: استعدى للخروج من جوار الله، هذا أول شؤم المعصية؛ فنزع جبريل التاج عن رأسه، وحل ميكائيل الإكليل عن جبينه، وتعلق به غصن؛ فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة، فنكس رأسه يقول: العفو؛ فقال الله: فرارا مني، فقال: بل حياء منك سيدي.
* عن محمد بن حاتم قال: قال الفضيل: لو خيرت بين أن أبعث فأدخل الجنة، وبين أن لا أبعث؛ لا اخترت أن لا أبعث؛ قلت لمحمد بن حاتم: هذا من الحياء؟ قال: نعم، هذا من طريق الحياء من الله عز وجل.
* عن أبي حصين قال: أتيت سعيد بن جبير بمكة، فقلت: إن هذا الرجل قادم ـ يعني: خالد بن عبد الله ـ ولا آمنه عليك، فأطعني واخرج؛ فقال: والله لقد فررت، حتى استحييت من الله، قلت: والله، إني لأراك كما سمتك أمك: سعيدًا؛ قال: فقدم مكة، فأرسل إليه، فأخذه.
زاد واصل في حديثه، قال: فأخبرني يزيد أبو عبد الله، قال: أتينا سعيد بن جبير حين جيء به، فإذا هو طيب النفس، وبنية له في حجره؛ فنظرت إلى القيد، فبكت؛ قال: فتبعناه إلى باب الجسر، فقال له الحرس: أعطنا كفلاء، فإنا نخاف أن تغرق نفسك، قال يزيد: فكنت فيمن تكفل به.
* عن إياس بن معاوية بن قرة قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكر عنده الحياء؛ فقال: الحياء من الدين؛ فقال عمر: بل هو الدين كله؛ فقال إياس: حدثني أبي عن جدي، قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر عنده الحياء، فقالوا: يا رسول الله، الحياء من الدين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «بل هو الدين كله» . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الحياء، والعفاف، والعي عي اللسان، لا عي القلب، والعمل: من الإيمان؛ وإنهن يزدن في الآخرة، وينقصن من الدنيا، وما يزدن من الآخرة، أكثر مما يزدن في الدنيا» . قال إياس: فأمرني عمر بن عبد العزيز، فأمليتها عليه، وكتبها بخطه، ثم صلى بنا الظهر، وإنها لفي كفه ما يضعها، إعجابًا بها.
* عن الحسن قال: وذكر عثمان رضي الله عنه، وشدة حياءه: إن كان ليكون في البيت، والباب عليه مغلق، فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء، يمنعه الحياء أن يقيم صلبه.
* عن أحمد بن عاصم قال: أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي، ليس المعرفة: الإقرار به، ولكن المعرفة: التي إذا عرفت، استحييت.
* عن عبيد بن عمير قال: آثروا الحياء من الله، على الحياء من الناس.
* عن عبد الله بن أبي الهذيل قال: أدركنا أقوامًا، وإن أحدهم يستحي من الله تعالى في سواد الليل. قال سفيان: يعني التكشف.
* عن أبي مجلز قال: قال لي أبي موسى: إني لأغتسل في البيت المظلم، فما أقيم صلبي، حياء من ربي عز وجل.
* عن أبي سليمان الداراني قال: إذا استحى العبد من ربه عز وجل، فقد استكمل الإيمان.
* عن مجاهد قال: إن المسلم، لو لم يصب من أخيه إلا حياء منه يمنعه من المعاصي، لكفاه.
* عن سفيان ابن عيينة قال: قال لقمان: خير الناس: الحيي، الغني؛ قيل: الغنى في المال؟ قال: لا، ولكن: الذي إذا احتيج إليه نفع، وإذا استغنى عنه نفع؛ قيل: فمن شر الناس؟ قال: من لا يبالي أن يراه الناس مسيئًا.
* كان الأسود - بن يزيد النخعي - مجتهدًا في العبادة، يصوم حتى يخضر جسده ويصفر، وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: راحة هذا الجسد أريد؛ فلما احتضر، بكى؛ فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: مالي لا أجزع، ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل، لهمني الحياء منه، مما قد صنعته؛ إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير، فيعفو عنه، فلا يزال مستحيًا منه؛ ولقد حج الأسود ثمانين حجة.