فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 392

* إخباره عليه الصلاة والسلام: أن عمر رضي الله تعالى عنه لا يحب الباطل، أي: من اتخذ التمدح حرفة، واكتسابًا؛ فيحمله الطمع في الممدوحين، على أن يهيم في الأودية، ويشين بفريته المحافل والأندية، فيمدح من لا يستحقه، ويضع من شأن من لا يستوجبه إذا حرمه نائله؛ فيكون رافعًا لمن وضعه الله عز وجل لطمعه، أو واضعًا لمن رفعه الله عز وجل لغضبه؛ فهذا الاكتساب والاحتراف: باطل؛ فلهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: إنه لا يحب الباطل. فأما الشعر، المحكم، الموزون: فهو من الحكم الحسن، المخزون، يخص الله تعالى به البارع في العلم ذا الفنون؛ وقد كان أبو بكر، وعمر، وعلي رضي الله تعالى عنهم يشعرون.

* عن محمد بن يزيد الرحبي قال: قيل لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: مالك لا تشعر؟ فانه ليس رجل له بيت من الأنصار، إلا وقد قال شعرًا؛ قال: وأنا قد قلت، فاسمعوا:

يريد المرء أن يعطى مناه…ويأبى الله إلا ما أرادا

يقول المرء فائدتي ومالي…وتقوى الله أفضل ما استفادا

* عن عاصم قالوا: قيل للربيع بن خيثم: ألا تتمثل ببيت شعر، فقد كان أصحابك يتمثلون؟ قال: ما من شئ يتمثل به، إلا كتب؛ وأنا أكره: أن أقرأ في أمامي بيت شعر يوم القيامة.

* عن يحيى بن خليف بن عقبة عن أبيه قال: سئل محمد ابن سيرين: أينشد الرجل الشعر، وهو على وضوء؟ فقال:

نبئت أن فتاة كنت أخطبها…عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول

أسنانها مائة أو زدن واحدة…وسائر الخلق منها بعد ممطول

ثم قال: الله أكبر.

* عن أبي الوليد الضبي قال: رأيت شيخًا من الأعراب: له سن، يتوكأ على محجن، قد قصد مسعر بن كدام؛ فوجده يصلي، فأطال مسعر الصلاة، فأعي الشيخ، فجلس؛ فلما فرغ مسعر من صلاته، قال الشيخ: خذ من الصلاة كفيلًا، فقال له مسعر: اقصد لما يبقى عليك نفعه؛ كم بلغت من السنين؟ قال: قد أتى علي مائة سنة، وبضع عشرة سنة؛ قال مسعر في بعض هذا: ما كفاك واعظًا؟ فانظر لنفسك؛ فقال الشيخ:

أحب اللواتي في صباهن غرة…وفيهن عن أزواجهن طماح

مسرات حب مظهرات عداوة…تراهن كالمرضى وهن صحاح

فقال مسعر: أفيك لهذا فضل؟ فقال: والله، ما بأخيك ناهض منذ أربعين، ولكن يجر بجيش بزبده؛ فتبسم مسعر، وقال: الشعر حسن وقبيح، وهو ديوان العرب.

* قيل للمعافي بن عمران: ما ترى في الرجل يقرض الشعر، ويقول؛ قال: هو عمرك، فأفنه فيما شئت.

* عن أنس - رضي الله عنه - قال: لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة، مشى عبد الله بن رواحة بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله…اليوم نضربكم على تأويله

ضربًا يزيل الهام عن مقيله…ويذهل الخليل عن خليله

فقال عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي حرم الله، تقول الشعر؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «خل عنه يا عمر، فوالذي نفسي بيده: لهذا أشد عليهم من وقع السيف» .

* عن ابن شهاب قال: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن عتبة منزله، فإذا هو يغتاظ وينفخ؛ فقلت: مالي أراك مغتاظًا؟ قال: دخلت على أميرك آنفًا ـ يعني: عمر بن عبد العزيز ـ ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان، فسلمت عليهما، فلم يردا علي السلام؛ فقلت:

ولا تعجبا أن تؤتيا فتكلما…فما خشي الأقوام شرا من الكبر

وجنس تراب الأرض منه خلقتما…وفيه المعاد والمصير إلى الحشر

فقلت له: يرحمك الله، مثلك في فقهك، وفضلك، وسنك: يقول الشعر؟ قال: إن المضرور، إذا نفث: برىء.

* عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: ما كنت أذكر للشافعي قصيدة، إلا ربما أنشدنيها: من أولها، إلى آخرها.

* عن جرير بن عطية بن الخطفي ـ وا­لخطفي اسمه: حذيفة بن بدر بن سلمة ـ قال: لما قدم عمر بن عبد العزيز، نهضت إليه الشعراء من الحجاز والعراق، فكان فيمن حضره: نصيب، وجرير، والفرزدق، والأحوص، وكثير، والحجاج القضاعي؛ فمكثوا شهرًا لا يؤذن لهم، ولم يكن لعمر فيهم رأى ولا أرب، وإنما كان رأيه وبطانته ووزراؤه وأهل أربه: القراء، والفقهاء، ومن وسم عنده بورع، فكان يبعث إليهم حيث كانوا من بلدانهم، فوافق جرير قدوم عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي ـ وكان ورعا، فقيها، مفوها في المنطق، نظير الحسن بن أبي الحسن في منطقه ـ فرآه جرير على باب عمر، مشمر الثياب، معتمًا على لمة لاصقة برأسه، قد أرخى صنفيها بين يديه، فقال جرير:

يا أيها القارئ المرخى عمامته…هذا زمانك إني قد مضى زمني

أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه…أني لدى الباب كالمشدود في قرني

فقال له عون: من أنت؟ فقال جرير، فقال: إنه لا يحل لك عرضي، قال: فاذكرني للخليفة، قال: إن رأيت لك موضعًا فعلت، فدخل عون على عمر، فسلم عليه، ثم حمد الله، وذكر بعض كلامه ومواعظه، ثم قال: هذا جرير بالباب فاحرز لي عرضي منه، فأذن لجرير فدخل عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أخبرت أنك تحب أن توعظ، ولا تطرب، فأذن لي في الكلام، فأذن له، فقال:

لجت أمامة في لومي وما علمت ... عرض اليمامة روحاتي ولا بكري

ما هوم القوم مذ شدوا رحالهم ... إلا غشاشا لدى إغضارها اليسر

يصرخن صرخ خصي المعزاء إذ ... وقدت شمس النهار وعاد الظل للقمر

زرت الخليفة من أرض على قدر ... كما أتى ربه موسى على قدر

إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجوا من المطر

أأذكر الضر والبلوى التي نزلت ... أم تكتفي بالذي نبئت من خبر

ما زلت بعدك في دار تقحمني ... وضاق بالحي إصعادي ومنحدري

لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا باد على حضر

كم بالمواسم من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر

أذهبت خلقته حتى دعا ودعت ... يا رب بارك لطر الناس في عمر

ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في الوكر لم ينهض ولم يطر

هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر

فترقرقت عينا عمر، وقال: إنك لتصف جهدك، فقال: ما غاب عني وعنك أشد، فجهز إلى الحجاز عيرًا تحمل الطعام والكسى والعطايا، يبث في فقرائهم، ثم قال: أخبرني أمن المهاجرين أنت يا جرير؟ قال: لا، قال: فشبك بينك وبين الأنصار رحم أو قرابة أو صهر؟ قال: لا، قال: فممن يقاتل على هذا الفيء أنت ويجلب على عدو المسلمين؟ قال: لا، قال: فلا أرى لك في شيء من هذا الفيء حقا، قال: بلى والله، لقد فرض الله لي فيه حقًا إن لم تدفعني عنه، قال: ويحك وما حقك؟ قال: ابن سبيل أتاك من شقة بعيدة، فهو منقطع به على بابك، قال: إذًا أعطيك، فدعا بعشرين دينارًا فضلت من عطائه، فقال: هذه فضلت من عطائي، وإنما يعطى ابن السبيل من مال الرجل، ولو فضل أكثر من هذا أعطيتك، فخذها، فإن شئت فاحمد، وإن شئت فذم، قال: بل أحمد يا أمير المؤمنين، فخرج، فجهشت إليه الشعراء، وقالوا: ما وراءك يا أبا حزرة، قال: يلحق الرجل منكم بمطيته، فإني خرجت من ثم رجل يعطي الفقراء ولا يعطي الشعراء، وقال:

وجدت رقى الشيطان لا تستفزه…وقد كان شيطاني من الجن راقيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت