فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 392

* عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه قال: وجد علي بن أبي طالب درعًا له عند يهودي، التقطها، فعرفها؛ فقال: درعي سقطت عن جمل لي أورق، فقال اليهودي: درعي، وفي يدي؛ ثم قال له اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحًا؛ فلما رأى عليًا قد أقبل: تحرف عن موضعه، وجلس على فيه؛ ثم قال علي: لو كان خصمي من ا لمسلمين، لساويته في المجلس؛ ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تساووهم في المجلس، والجؤوهم إلى أضيق الطرق، فإن سبوكم، فاضربوهم؛ وإن ضربوكم، فاقتلوهم» ثم قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين؟ قال: درعي سقطت عن جمل لي أورق، والتقطها هذا اليهودي؛ فقال شريح: ما تقول يا يهودي؟ قال: درعي، وفي يدي؛ فقال شريح: صدقت والله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، ولكن: لا بد من شاهدين؛ فدعى قنبرًا مولاه، والحسن بن علي، وشهدا أنها لدرعه؛ فقال شريح: أما شهادة مولاك، فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك لك، فلا نجيزها؛ فقال علي: ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» ؛ قال: اللهم نعم؛ قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟ والله، لأوجهنك إلى بانقيا، تقضى بين أهلها أربعين يومًا؛ ثم قال لليهودي: خذ الدرع؛ فقال اليهودي: أمير المؤمنين، جاء معي إلى قاضي المسلمين، فقضى عليه، ورضي؛ صدقت والله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، سقطت عن جمل لك، التقطتها؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ فوهبها له علي، وأجازه بتسعمائة؛ وقتل معه يوم صفين.

(4/ 139ـ140)

* عن الشافعي قال: وليت نجران، وبها بنو الحارث، وموالي ثقيف؛ فجمعتهم، فقلت: اختاروا سبعة نفر منكم، فمن عدلوه: كان عدلًا، ومن جرحوه: كان مجروحًا؛ فجمعوا لي سبعة نفر منهم؛ فجلست للحكم، فقلت للخصوم: تقدموا، فإذا شهد الشاهدان عندي: التفت إلى السبعة، فإن عدلوه: كان عدلًا، وإن جرحوه، قلت: زدني شهودًا؛ فلما أثبت على ذلك، وجعلت أسجل وأحكم، فنظروا إلى حكم جار؛ فقالوا: إن هذه الضياع والأموال التي يحكم علينا، فيها ليست لنا، إنما هي للمنصور بن المهدي في أيدينا؛ فقلت للكاتب: اكتب، وأقر فلان بن فلان: أن الذي وقع عليه حكمي في هذا الكتاب: أن هذه الضيعة أو المال، الذي حكمت عليه فيه، ليست له، وإنما هي للمنصور بن المهدي في يده، ومنصور بن المهدي على حجته شيء قائم؛ فخرجوا إلى مكة، فلم يزالوا يعملون في، حتى دفعت إلى العراق؛ فقيل لي: انزل الباب، فنظرت، فإذا لا بد لي من الاختلاف إلى بعض أولئك؛ وكان محمد بن الحسن جيد المنزلة، فكتبت كتبه، وعرفت قولهم؛ فكان إذا قام: ناظرت أصحابه.

(9/ 76ـ77)

* عن أبي عوانة قال: لما أجلس منصور بن المعتمر على القضاء: كان يأتيه الرجل، فيقص عليه؛ فيقول: قد فهمت ما قلت، ولا أدري ما الجواب فيه؛ فكان يفعل ذلك؛ فذكر ذلك لابن هبيرة ـ وكان هو الذي ولاه ـ؛ فقال: هذا أمر لا يصلح، إلا أن يعين عليه صاحبه بشهوة، فتركه.

* عن أحمد بن عمران الأخنسي قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: ربما كنت مع منصور في منزله جالسًا، فتصيح به أمه ـ وكانت فظة غليظة ـ فتقول: يا منصور، يريدك ابن هبيرة على القضاء؛ فتأبي عليه، وهو واضع لحيته على صدره، ما يرفع طرفه إليها.

* عن زيد بن أبي خداش قال: لقي سفيان شريكًا بعد ما ولي قضاء الكوفة؛ فقال: يا عبد الله، بعد الإسلام والفقه والخير: تلي القضاء، وصرت قاضيًا؟ فقال له شريك: يا أبا عبد الله، لا بد للناس من قاضي؛ فقال له سفيان: يا أبا عبد الله، لا بد للناس من شرطي.

* عن عكرمة قال: كانت القضاة ثلاثة ـ يعني في بني إسرائيل ـ؛ فمات واحد منهم، فجعل الآخر مكانه؛ فقضوا ما شاء الله أن يقضوا، فبعث الله ملكًا على فرس، فمر على رجل يسقي بقرة معها عجل، فدعا العجل، فتبع العجل الفرس، فتبعه صاحب العجل؛ فقال: يا عبد الله، عجلي، وقال الملك: عجلي، وهو ابن فرسي؛ فخاصمه، حتى أعياه؛ فقال: القاضي بيني وبينك، قال: قد رضيت؛ قال: فارتفعا إلى أحد القضاة؛ قال: فتكلم صاحب العجل، فقال: إنه مر بي على فرسه، فدعا عجلي، فتبعه، فأبى أن يرده ـ ومع الملك ثلاث درات، لم يرى الناس مثلها ـ فأعطى القاضي درة؛ فقال: إقض لي؛ فقال: كيف يسوغ هذا لي؟ قال: تخرج الفرس والبقرة، فإن تبع العجل الفرس: عذرت؛ قال: ففعل ذلك؛ ثم أتى الآخر، ففعل مثل ذلك؛ ثم أتى الثالث، فقصا قصتهما، وناوله الدرة، فلم يأخذها؛ وقال: لا أقضي بينكما اليوم، فإني حائض؛ فقال الملك: سبحان الله، هل يحيض الرجل؟ فقال: سبحان الله، وهل تنتج الفرس عجلًا؟ فقضى لصاحب البقرة.

(3/ 331ـ332)

* عن الأعمش قال: استعان بي مالك بن الحارث في حاجة، فجئت في قباء مخرق؛ فقال: لو لبست ثوبًا غيره؛ فقلت: امش، فإنما حاجتك بيد الله؛ قال: فجعل يقول في المسجد: ما صرت مع سليمان إلا غلامًا.

(5/ 49ـ50)

* عن هشام قال: دعا مالك بن المنذر محمد بن واسع ـ وكان على شرط البصرة ـ؛ فقال: اجلس على القضاء؛ فأبى محمد، فعاوده، فأبى؛ فقال: لتجلس، أو لأجلدنك ثلاثمائة؛ فقال له محمد: إن تفعل، فأنت مسلط؛ وإن ذليل الدنيا خير من ذليل الآخرة؛ قال: ودعاه بعض الأمراء، فأراده على بعض الأمر، فأبى؛ فقال له: إنك لأحمق؛ فقال محمد: ما زلت يقال لي هذا منذ أنا صغير.

* عن الشعبي قال: اشترى عمر فرسًا من رجل، على أن ينظر إليه، فأخذ الفرس، فسار به، فعطب؛ فقال لصاحب الفرس: خذ فرسك؛ فقال: لا؛ قال: فاجعل بيني وبينك حكمًا؛ قال الرجل: شريح؛ قال: ومن شريح؟ قال: شريح العراقي؛ قال: فانطلقا إليه، فقصا عليه القصة؛ فقال: يا أمير المؤمنين، رد كما أخذته، أو خذ بما ابتعته؛ فقال عمر: وهل القضاء إلا هذا؟ سر إلى الكوفة؛ فإنه لأول يوم عرفه يومئذ.

* عن عمرو بن دينار قال: قال لي أبو الشعثاء: كتب الحكم بن أيوب نفرا للقضاء، أنا منهم ـ أي عمرو ـ فلو ابتليت بشيء منه، لركبت راحلتي، وهربت في الأرض.

* عن أجلح عن رجل قال: بينا أنا قاعد عند شريح، إذ جاءته جدة صبي وأمه يختصمان فيه، كل واحدة تقول: أنا أحق به؛ فقالت الجدة:

أبا أمية أتيناك ... وأنت المرء نأتيه

أتاك ابن وأماه ... وكلتانا تفديه

فلو كنت تأيمت ... لما نازعتك فيه

تزوجت فهاتيه ... ولا يذهب بك التيه

ألا يا أيها القاضي ... فهذه قصتي فيه

فقالت الأم:

ألا أيها القاضي ... قد قالت لك الجده

قولا فاستمع مني ... ولا تنظرنني رده

تعزي النفس عن ابني ... وكبدي حملت كبده

فلما صار في حجري ... يتيما ضائعا وحده

تزوجت رجاء الخيـ ... ـر من يكفيني فقده

ومن يظهر لي الود ... ومن يحسن لي رفده

فقال شريح رحمه الله:

قد سمع القاضي ما قلتما ... وعلى القاضي جهد إن عقل

قال للجدة بيني بالصبي ... وخذي ابنك من ذات العلل

إنها لو صبرت كان لها ... قبل دعواها يبغيها البدل

فقضى به للجدة.

(4/ 134ـ135)

* عن شريح، أنه قضى على رجل باعترافه؛ فقال: يا أبا أمية، قضيت علي بغير بينة؛ قال: أخبرني ابن أخت خالتك.

* عن أيوب قال: وجدت أعلم الناس بالقضاء: أشدهم فرارًا منه، وما أدركت بهذا العصر أعلم بالقضاء من أبي قلابة.

* عن الشعبي قال: شهدت شريحًا، وجاءته امرأة تخاصم رجلًا، فأرسلت عينيها، فبكت؛ فقلت: أبا أمية، ما أظنها إلا مظلومة؛ فقال: يا شعبي، إن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون.

* قال ابن نمير: جاء رجل إلى الأعمش، فقال: كلم لي فلانًا ـ لرجل كان يشرب الخمر ـ قال: والله، ما كلمته قط؛ قال: إنه قد أخذني في الخراج، فأرجو إن كلمته أن يقبل؛ قال: فجاءه ـ وكان بين أيديهم خمر يشربونه ـ قال: فقال الرجل: لأسقينه خمرًا قبل أن يخرج؛ قال: فرفعوه، فدخل الأعمش، فكلمه؛ قال: نعم، فدعا بالصحيفة، فمحا ما كان عليه، وقال: تغد يا أبا محمد؛ قال: فتغدى، فقال: اسقوني ماء، فقال الرجل: هات نبيذًا يا غلام، قال: لا، اسقوني ماء؛ ثم قال: اسقوني ماء، فقال الرجل: هات نبيذًا يا غلام، فقال: لا، اسقوني ماء؛ فقال الرجل: أليس قال: إذا دخلت على أخيك، فكل من طعامه، واشرب من شرابه؟ فقال الأعمش: لست أنت من أولئك؛ فخرج الأعمش، ولم يشرب إلا الماء.

(5/ 48ـ49)

* عن شريح، أن عمر كتب إليه: إذا جاءك الشيء في كتاب الله، فاقض به، ولا يلفتنك عنه رجال؛ وإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فانظر سنة نبيك عليه ا لسلام، فاقض بها؛ وإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فانظر ما اجتمع عليه الناس، فخذ به.

* عن مكحول قال: لأن تضرب عنقي، أحب إلي من أن ألي القضاء؛ ولأن ألي القضاء، أحب إلي من بيت المال.

* حبس ابن هبيرة منصورًا شهرًا، يريده على القضاء؛ فأبى عليه.

* قال عبد الله بن المبارك لرجل: إن ابتليت بالقضاء، فعليك بالأثر.

* عن مسروق، أنه كان لا يأخذ على القضاء أجرًا؛ ويتأول هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] الآية.

* عن سفيان بن وكيع قال: سمعت أبي يقول: بلغني أن محمد بن واسع أريد على القضاء، فأبى؛ فعاتبته إمرأته، فقالت: لك عيال، وأنت محتاج؛ قال: ما دمت تريني أصبر على الخل والبقل، فلا تطمعي في هذا مني.

* عن ابن أبي ليلى، أنه لما ولي القضاء: ركب أول يوم للقضاء، فاصطف له الناس ينظرون إليه؛ قال: فقال: مجنون من مجانين أهل الكوفة، انظروا إلى من جمع له الله سرور الدنيا بخزي الآخرة؛ فقال ابن أبي ليلى: لو قد سمعتها قبل أن ألي، ما وليت لهم شيئًا.

* أن عمر بن عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة، على قضائها، وعلى خراجها؛ فكتب إليه ميمون يستعفيه، وقال: كلفتني مالا أطيق: اقضي بين الناس، وأنا شيخ كبير، ضعيف، رقيق؛ فكتب عمر إليه: أجب من الخراج الطيب، واقض ما استبان لك؛ فإذا التبس عليك أمر، فارفعه إلى، فإن الناس لو كانوا إذا كبر عليهم أمر تركوه، ما قام دين ولا دنيا.

* عن الربيع بن أبي راشد قال: سمعت أبا عبيدة يقول: إن الحكم العدل: يسكن الأصوات عن الله عز وجل؛ وإن الحكم الجائر: تكثر من الشكاة إلى الله تعالى.

* عن عمرو - بن قيس الملائي - قال: حديث أرقق به قلبي، وأتبلغ به إلى ربي: أحب إلي من خمسين قضية من قضايا شريح.

(5/ 102ـ103)

* عن أياس بن معاوية قال: أنا أكلم الناس بنصف عقلي؛ فإذا اختصم إلي اثنان: جمعت عقلي كله.

* كان أبو وائل - شقيق بن سلمة - يقول لجاريته: يا بركة، إذا جاء يحيى ـ يعني: ابنه ـ بشيء، فلا تقبليه؛ وإذا جاءك أصحابي بشيء، فخذيه؛ قال: وكان يحيى ابنه قاضيًا على الكناسة.

* عن عبد الرحمن بن مهدي قال: جر أمير المؤمنين سفيان إلى القضاء، فتحامق عليه ليخلص نفسه منه، فلما أن علم أنه يتحامق عليه أرسله، وهرب من السلطان، وجعل كينونته في بيت عبد الرحمن ويحيى ابن سعيد بضعة عشر سنة، فلما كان عند موته، قالوا: أين نذهب بك؟ قال: اغسلوني وكفنوني، وضعوني على السرير، واحملوا فيما بينكم السرير، ففعلوا، فوضعوه بباب مسجد الجامع، فجاء السلطان، فكشف عن وجهه، فغاصه في الكافور، وكتب إلى السلطان الأعظم، إني وجدت سفيان على سرير مفروغا من غسله وكفنه، فغصصته في الكافور، أنتظر ما تأمر فيه، فوقع على الماء ألف سمارى إلى جنازته، فدفن بعد أيام.

* عن العلاء بن روبة قال: كانت لي حاجة إلى رجاء بن حيوة، فسألت عنه، فقالوا: هو عند سليمان بن عبد الملك، قال: فلقيته، فقال: ولى أمير المؤمنين اليوم ابن موهب القضاء، ولو خيرت بين أن ألى وبين أن أحمل إلى حفرتي، لاخترت أن أحمل إلى حفرتي، قلت: إن الناس يقولون: إنك أنت الذي أشرت به، قال: صدقوا، إني نظرت للعامة ولم أنظر له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت