فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 392

* عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: أتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، علمني كلمات، جوامع، نوافع؛ فقال: أعبد الله، ولا تشرك به شيئا؛ وزل مع القرآن حيث زال؛ ومن جاءك بالحق: فاقبل منه، وإن كان بعيدًا بغيضًا؛ ومن جاءك بالباطل: فاردد عليه، وإن كان حبيبًا قريبًا.

* عن علقمة بن مرثد قال: لما ولي عمر بن هبيرة العراق: أرسل إلى الحسن، وإلى الشعبي، فأمر لهما ببيت؛ وكانا فيه شهرا، أو نحوه؛ ثم إن الخصى غدا عليهما ذات يوم، فقال: إن الأمير داخل عليكما؛ فجاء عمر يتوكأ على عصا له، فسلم، ثم جلس معظمًا لها؛ فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك ينفذ كتبًا، أعرف أن في إنفاذها الهلكة، فإن أطعته: عصيت الله، وإن عصيته: أطعت الله عز وجل؛ فهل تريا لي في متابعتي إياه فرجًا؟ فال الحسن: يا أبا عمرو، أجب الأمير؛ فتكلم الشعبي، فانحط في حبل ابن هبيرة؛ فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: أيها الأمير، قد قال الشعبي ما قد سمعت؛ قال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: أقول: يا عمر بن هبيرة، يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى، فظ غليظ، لا يعصي الله ما أمره؛ فيخرجك من سعة قصرك، إلى ضيق قبرك؛ يا عمر بن هبيرة: إن تتق الله: يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولا يعصمك يزيد عبد الملك من الله عز وجل؛ يا عمر بن هبيرة: لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت، فيغلق بها باب المغفرة دونك؛ يا عمر بن هبيرة: لقد أدركت ناسًا من صدر هذه الأمة، كانوا والله، على الدنيا وهي مقبلة أشد إدبارًا، من إقبالكم عليها وهي مدبرة؛ يا عمر بن هبيرة: إني أخوفك مقامًا خوفكه الله تعالى، فقال: { ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } [إبراهيم: 14] ؛ يا عمر بن هبيرة: إن تك مع الله تعالى في طاعته، كفاك بائقة يزيد بن عبد الملك؛ وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله، وكلك الله إليه؛ قال: فبكى عمر، وقام بعبرته؛ فلما كان من الغد: أرسل إليهما بإذنهما وجوائزهما، وكثر منه ما للحسن، وكان في جائزته للشعبي بعض الإقتار؛ فخرج الشعبي إلى المسجد، فقال: يا أيها الناس، من استطاع منكم أن يؤثر الله تعالى على خلقه فليفعل؛ فوالذي نفسي بيده: ما علم الحسن منه شيئًا فجهلته، ولكن أردت وجه ابن هبيرة، فأقصاني الله منه.

(2/ 149ـ150)

* عن مالك بن دينار قال: كنت عند بلال بن أبي بردة، وهو في قبة له؛ فقلت: قد أصبت هذا خاليًا، فأي قصص أقص عليه؟ فقلت في نفسي: ماله خير من أن أقص عليه: ما لقي نظراؤه من الناس؛ فقلت له: أتدري من بنى هذا الذي أنت فيه؟ بناها عبيد الله بن زياد، وبنى البيضاء، وبنى المسجد، فولى ما ولى؛ فصار من أمره: أن هرب، فطلب، فقتل؛ ثم ولى البصرة: بشر بن مروان؛ فقالوا: أخو أمير المؤمنين؛ فمات بالبصرة، فحملوه، وحشد الناس في جنازته؛ ومات زنجي، فحمله الزنج على طن من قصب؛ فذهب بأخي أمير المؤمنين، فدفنوه؛ وذهب بالزنجي، فدفنوه؛ ثم جعلت أقص عليه أميرًا أميرا، حتى انتهيت إليه؛ فقلت في نفسي: قد بنيت دارا بالكوفة، فلم ترها، حتى أخذت، فسجنت، فعذبت؛ حتى قتل فيها.

(2/ 379ـ380)

* دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان، وقال: السلام عليك أيها الأجير؛ فقال الناس: الأمير يا أبا مسلم؛ ثم قال: السلام عليك أيها الأجير؛ فقال الناس: الأمير؛ فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، هو أعلم بما يقول؛ قال أبو مسلم: إنما مثلك: مثل رجل استأجر أجيرًا، فولاه ماشيته، وجعل له الأجر على أن يحسن الرعية، ويوف جزازها وألبانها؛ فإن هو أحسن رعيتها، ووفر جزازها، حتى تلحق الصغيرة، وتسمن العجفاء: أعطاه أجره، وزاد من قبله زيادة؛ وإن هو لم يحسن رعيتها، وأضاعها، حتى تهلك العجفاء، وتعجف السمينة؛ ولم يوفر جزازها وألبانها: غضب عليه صاحب الأجر، فعاقبه، ولم يعطه الأجر.

* عن علي بن زيد بن جدعان قال: قيل لسعيد بن المسيب: ما شأن الحجاج لا يبعث إليك، ولا يهيجك، ولا يؤذيك؟ قال: والله ما أدري، غير أنه صلى ذات يوم مع أبيه صلاة، فجعل لا يتم ركوعها، ولا سجودها؛ فاخذت كفًا من حصباء، فحصبته بها؛ قال الحجاج: فما زلت أحسن الصلاة.

* عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال لرجل من أهل الصفة يكنى أبا رزين: يا أبا رزين: إذا خلوت: فحرك لسانك بذكر الله؛ فإنك لا تزال في صلاة ما ذكرت ربك، إن كنت في علانية: فصلاة العلانية، وإن كنت خاليًا: فصلاة الخلوة؛ يا أبا رزين: إذا كابد الناس قيام الليل، وصيام النهار، فكابد أنت: النصيحة للمسلمين؛ يا أبا رزين: إذا أقبل الناس على الجهاد في سبيل الله، فأحببت أن يكون لك مثل أجورهم: فالزم المسجد: تؤذن فيه، لا تأخذ على أذانك أجرًا.

* عن أبي مسلم الخولاني، أنه نادى معاوية بن أبي سفيان، وهو جالس على منبر دمشق؛ فقال: يا معاوية: إنما أنت قبر من القبور، إن جئت بشيء: كان لك شيء، وإن لم تجىء بشيء: فلا شيء لك؛ يا معاوية: لا تحسبن الخلافة جمع المال وتفرقه، ولكن الخلافة: العمل بالحق، والقول بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله عز وجل؛ يا معاوية: إنا لا نبالي بكدر الأنهار، ما صفت لنا رأس عيننا؛ وإنك رأس عيننا؛ يا معاوية: إياك أن تحيف على قبيلة من قبائل العرب، فيذهب حيفك بعدلك؛ فلما قضى أبو مسلم مقالته، أقبل عليه معاوية، فقال: يرحمك الله.

* عن الشافعي قال: من وعظ أخاه سرًا: فقد نصحه، وزانه؛ ومن وعظه علانية: فقد فضحه، وخانه.

* عن بلال بن سعد قال: بلغني: أن المسلم مرآة أخيه، فهل تستريب من أمري شيئًا.

* عن طاووس، أنه رأى فتية من قريش، وهم يرفلون في مشيتهم؛ فقال: إنكم لتلبسون لبسة: ما كانت آبائكم تلبسها، وتمشون مشية: ما تحسن الرقاص يمشونها.

* كان ابن محيريز يجيء إلى عبد الملك بصحيفة فيها النصيحة، يقرئه ما فيها؛ فإذا فرغ منها: أخذ الصحيفة.

* عن جعفر بن برقان قال: قال لي ميمون بن مهران: يا جعفر، قل لي في وجهي ما أكره؛ فإن الرجل لا ينصح أخاه، حتى يقول له في وجهه ما يكره.

* قال رجل لابن المبارك: بقي من ينصح؛ قال: فهل بقي من يقبل.

* عن سفيان الثوري قال: قلت لمسعر بن كدام: تحب أن يهدى إليك عيوبك؟ قال: أما من ناصح: فنعم، وأما من موبخ: فلا.

* عن سفيان الثوري، أنه قال لشاب يجالسه: أتحب أن تخشى الله حق خشيته؟ قال: نعم؛ قال: أنت أحمق، لو خفته حق خوفه: أديت الفرائض.

* عن زياد بن جرير الأسدي، قال: قدمت على عمر بن الخطاب، وعلي طيلسان، وشاربي عاف؛ فسلمت عليه، فرفع رأسه، فنظر إلى، ولم يرد علي السلام؛ فانصرفت عنه، فأتيت ابنه عاصمًا؛ فقلت له: لقد رميت من أمير المؤمنين في الرأس؛ فقال: سأكفيك ذلك، فلقي أباه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أخوك زياد بن جرير يسلم عليك، فلم ترد عليه السلام؛ فقال: إني قد رأيت عليه طيلسانًا، ورأيت شاربه عافيًا؛ قال: فرجع إلي، فأخبرني؛ فانطلقت، فقصصت شاربي، وكان معي برد شققته، فجعلته إزارًا ورداءً؛ ثم أقبلت إلى عمر، فسلمت عليه؛ فقال: وعليك السلام، هذا أحسن مما كنت فيه يا زياد.

(4/ 197ـ198)

* قال عقبة بن وساج لرجاء بن حيوة: لولا خصلتان فيك، لكنت أنت الرجل؛ قال: وما هما؟ قال: إخوانك يمشون إليك، ولا تمشي إليهم؛ ووسمت في أفخاذ دوابك لرجاء، وكانت سمة القبيلة تكفيك؛ فقال له: أما قولك: إخواني يمشون إلي ولا أمشي إليهم: فربما أعجلوني عن صلاتي؛ وأما قولك: إني وسمت في أفخاذ دوابي: فإني لم أكن أرى بأسًا: أن يسم الرجل اسمه في أفخاذ دوابه.

(5/ 172ـ173)

* عن صفوان بن عمرو، أن يزيد بن حصين السكوني حين ولي حمص: أرسل إلى يزيد بن ميسرة؛ قال: يا أبا يوسف، كيف ترى فيما ابتلينا به من هذا السلطان؛ قال: اتق الله أيها الأمير، وإياك والعجلة، وعليك بالأناة، وفي السجن راحة؛ هل تدري ما يقال لصاحب السلطان أيها المسلط؟ لا ينفخنك روح الشيطان، فإنك إنما خلقت من تراب، وإلى التراب تعود؛ ورثت مكان من قبلك، وغيرك وارث مكانك غدًا.

* عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كتب إلي الفتح بن خشرف، يذكر أنه سمع موسى بن حزام الترمذي بترمذ، يقول: كنت أختلف إلى أبي سليمان الجورجاني في كتب محمد بن الحسن، فاستقبلني أحمد بن حنبل عند الجسر؛ فقال لي إلى أين؟ فقلت: إلى أبي سليمان؛ فقال: العجب منكم، تركتم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة، وأقبلتم على ثلاثة إلى أبي حنيفة؟ فقلت: كيف يا أبا عبد الله؟ قال: يزيد بن هارون بواسط، يقول: حدثنا حميد عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وهذا يقول: حدثنا محمد بن الحسن، عن يعقوب، عن أبي حنيفة، قال موسى بن حزام. فوقع في قلبي قوله، فاكتريت زورقًا من ساعتي، فانحدرت إلى واسط، فسمعت من يزيد بن هارون.

* عن صالح بن أحمد بن حنبل: قال سمعت أبي يقول: لما دخلنا على إسحاق بن إبراهيم، قُرأ علينا كتابه الذي كان صار إلى طرسوس؛ فكان فيما قرئ علينا: ليس كمثله شيء، وهو خالق كل شيء؛ فقلت: وهو السميع البصير؛ فقال بعض من حضر: سله، ما أراد بقوله: وهو السميع البصير؛ فقال أبي رحمه الله؛ فقلت: كما قال الله تعالى؛ قال صالح: ثم امتحن القوم، فوجه بمن امتنع إلى الحبس، فأجاب القوم جميعًا، غير أربعة: أبي، ومحمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد سجادة؛ ثم أجاب عبيد الله بن عمر، والحسن بن حماد؛ وبقي أبي، ومحمد بن نوح في الحبس؛ فمكثا أيامًا في الحبس، ثم ورد الكتاب من طرسوس بحملنا؛ فحمل أبي ومحمد بن نوح مقيدين، زميلين، وأخرجا من بغداد؛ فسرنا معهما إلى الأنبار؛ فسأل أبو بكر الأحول أبي، فقال: يا أبا عبد الله، إن عرضت على السيف، تجيب؟ فقال: لا؛ قال أبي: فانطلق بنا، حتى نزلنا الرحبة، فلما رحلنا منها ـ وذلك في جوف الليل ـ وخرجنا من الرحبة: عرض لنا رجل؛ فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فسلم على أبي؛ ثم قال له: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة هاهنا، ثم سلم وانصرف؛ فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا رجل من العرب، من ربيعة، يعمل الشعر في البادية، يقال له: جابر بن عامر؛ فلما صرنا إلى أذنة، ورحلنا منها ـ وذلك في جوف الليل ـ: فتح لنا بابها، فلقينا رجل ـ ونحن خارجون من الباب، وهو داخل ـ فقال: البشرى، قد مات الرجل؛ قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه؛ قال أبو الفضل ـ صالح ـ: فصار أبي، ومحمد بن نوح إلى طرسوس، وجاء ـ يعني: المأمون ـ من البذيذون، ورفدوا في أقيادهما إلى الرقة، في سفنية مع قوم محتبسين؛ فلما صارا بعمان: توفي محمد بن نوح رحمه الله، فتقدم أبي، فصلى عليه، ثم صار إلى بغداد وهو مقيد، فمكث بالياسرية أيامًا، ثم صير إلى الحبس، في دار اكتريت له، عند دار عمارة؛ ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة في درب الموصلية، فمكث في السجن منذ أخذ، وحمل إلى أن ضرب، وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا؛ قال أبي: فكنت أصلي بهم وأنا مقيد، وكنت أرى بوران يحمل له في زورق ماء بارد، فيذهب به إلى السجن.

(9/ 196ـ197)

* حبس أحمد بن حنبل وبعض أصحابه في المحنة قبل أن يضرب؛ قال أحمد بن حنبل: لما كان الليل، نام من كان معي من أصحابي، وأنا متفكر في أمري؛ فإذا أنا برجل طويل يتخطى الناس، حتى دنا مني؛ فقال: أنت أحمد بن حنبل، فسكت؛ فقالها ثانية، فسكت؛ فقال في الثالثة: أنت أبو عبد الله أحمد بن حنبل؛ قلت: نعم؛ قال: اصبر، ولك الجنة؛ قال أبو عبد الله: فلما مسني حر السوط، ذكرت قول الرجل.

* عن عبد الرحمن بن مصعب قال: كان رجل ضرير يجالس سفيان الثوري؛ فإذا كان شهر رمضان: يخرج إلى السواد، فيصلي بالناس، فيكسى، ويعطى؛ فقال سفيان: إذا كان يوم القيامة: أثيب أهل القرآن من قراءتهم، ويقال لمثل هذا: قد تعجلت ثوابك في الدنيا؛ فقال: يا أبا عبد الله، تقول لي هذا، وأنا جليسك؟ قال: أخاف أن يقال لي يوم القيامة: كان هذا جليسك، أفلا نصحته.

* عن زهير بن عبد الرحمن عن يزيد بن ميسرة ـوكان قد قرأ الكتب ـ؛ قال: إن الله تعالى أوحى فيما أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام: إن أحب عبادي إلي: الذين يمشون في الأرض بالنصيحة، والذين يمشون على أقدامهم إلى الجمعات، والمستغفرون بالأسحار؛ أولئك الذين إذا أردت أن أصيب أهل الأرض بعذاب ورأيتهم: كففت عنهم عذابي؛ وإن أبغض عبادي إلي: الذي يقتدي بسيئة المؤمن، ولا يقتدي بحسنته.

* عن أبي عبد الله الرازي قال: قال لي سفيان بن عيينة: يا أبا عبد الله، عليك بالنصح لله في خلقه، فلن تلقاه بعمل أفضل منه؛ ألا، لا تأنس بمراد هؤلاء؛ فلو نادى مناد من السماء: إن الناس كلهم يدخلون الجنة وأنا، وحدي أدخل النار؛ لكنت بذلك راضيا.

* عن عبد العزيز بن أبي خالد قال: مر سفيان الثوري بالقاضي ـ وهو يتكلم ببعض ما يضحك به الناس ـ؛ فقال له: يا شيخ، أما علمت أن لله يومًا يحشر فيه المبطلون؛ فما زالت تعرف في وجه القاضي، حتى لقي الله عز وجل.

* عن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز: أنه دخل على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي حاجة فأخلني ـ وعنده مسلمة بن عبد الملك ـ، فقال له عمر: أسر دون عمك، فقال: نعم، فقام مسلمة وخرج، وجلس بين يديه، فقال له: يا أمير المؤمنين، ما أنت قائل لربك غدًا إذا سألك؟ فقال: رأيت بدعة فلم تمتها، أو سنة لم تحيها، فقال له: يا بني أشيء حملتكه الرعية إلي، أم رأي رأيته من قبل نفسك؟ قال: لا والله، ولكن رأي رأيته من قبل نفسي، وعرفت أنك مسئول، فما أنت قائل؟ فقال له أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرًا، فوالله إني لأرجو أن تكون من الأعوان على الخير، يا بني: إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة، ومتى ما أريد مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم، لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يهراق في سببي محجمة من دم، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيي فيه سنة حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [لأعراف: 87] .

* عن وهب بن منبه: قال رجل لراهب: فأوصني، فإني أراك حكيمًا، قال: ازهد في الدنيا، ولا تنازع أهلها فيها، وكن فيها كالنحلة، إذا اختلفا، اختلفا طيبا، وإن وضعت، وضعت طيبًا، وإن رفعت على عود، لم تكسره؛ وانصح لله نصح الكلب لأهله: يجيعونه، ويطردونه، ويضربونه، ويأبى إلا أن ينصح لهم؛ قال: فكان وهب بن منبه إذا ذكر هذا الحديث، قال: سوأتاه، إذا كان الكلب أنصح لأهله منك لله.

* قال الزهري: أراد ابن عمر أن يلعن خادمه، فقال: اللهم الع؛ فلم يتمها، وقال: هذه كلمة ما أحب أن أقولها.

* عن مرة بن شرحبيل قال: سئل سلمان بن ربيعة عن فريضة، فخالفه عمرو بن شرحبيل، فغضب سلمان بن ربيعة، ورفع صوته؛ فقال عمرو بن شرحبيل: والله، لكذلك أنزلها الله تعالى؛ فأتيا أبا موسى الأشعري، فقال: القول ما قال أبو ميسرة؛ وقال لسلمان: ما كان ينبغي لك أن تغضب إن أرشدك رجل؛ وقال لعمرو: قد كان ينبغي لك أن تساوره ـ يعني: تساره ـ ولا ترد عليه، والناس يسمعون.

* عن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، حدثني أبي عن جدي، قال: بلغني أن ناسًا من الحرورية تجمعوا بناحية من الموصل، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز: أعلمه ذلك؛ فكتب إلي، يأمرني أن أرسل إلي رجالًا من أهل الجدل، وأعطهم رهنًا، وخذ منهم رهنًا، واحملهم على مراكب من البريد إلي؛ ففعلت ذلك، فقدموا عليه، فلم يدع لهم حجة إلا كسرها؛ فقالوا: لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك، وتلعنهم، وتبرأ منهم؛ فقال عمر: إن الله لم يجعلني لعانًا، ولكن: إن أبقى أنا وأنتم، فسوف أحملكم وإياهم على المحجة البيضاء؛ فأبوا أن يقبلوا ذلك منه؛ فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم في دينكم إلا الصدق، مذ كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: مذ كذا وكذا سنة؛ قال: فهل لعنتم فرعون وتبرأتم منه؟ قالوا: لا؛ قال: فكيف وسعكم تركه، ولا يسعني ترك أهل بيتي، وقد كان فيهم المحسن والمسيء، والمصيب والمخطىء؟ قالوا: قد بلغنا ما ها هنا؛ فكتب إلي عمر: أن خذ من في أيديهم من رهنك، وخل من في يدك من رهنهم، وإن كان رأى القوم أن يسيحوا في البلاد، على غير فساد، على أهل الذمة، ولا تناول أحد من الأئمة، فليذهبوا حيث شاءوا؛ وإن هم تناولوا أحدًا من المسلمين وأهل الذمة، فحاكمهم إلى الله؛ وكتب إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى العصابة الذين خرجوا، أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، فإن الله تعالى يقول: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلى قوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [النحل:125] . وإني أذكركم الله، أن تفعلوا كفعل كبرائكم، الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط؛ أفبذنبي تخرجون من دينكم، وتسفكون الدماء، وتنتهكون المحارم؟ فلو كانت ذنوب أبي بكر وعمر مخرجة رعيتهم من دينهم، إن كانت لهما ذنوب، فقد كانت آباؤكم في جماعتهم، فلم ينزعوا؛ فما سرعتكم على المسلمين، وأنتم بضعة وأربعون رجلًا؛ وإني أقسم لكم بالله، لو كنتم أبكارى من ولدى، فوليتم عما أدعوكم إليه من الحق، لدفقت دماءكم، ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة؛ فهذا النصح؛ فإن استغششتموني، فقديما ما استغش الناصحون، فأبوا إلا القتال، وحلقوا رءوسهم، وساروا الى يحيى بن يحيى، فأتاهم كتاب عمر، ويحيى موافقهم للقتال، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى يحيى بن يحيى: أما بعد، فإني ذكرت آية من كتاب الله، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190] . وإن من العدوان: قتل النساء والصبيان، فلا تقتلن امرأة، ولا صبيًا، ولا تقتلن أسيرًا، ولا تطلبن هاربًا، ولا تجهزن على جريح إن شاء الله؛ والسلام.

* عن يزيد بن الأصم قال: لقيت عائشة رضي الله تعالى عنها وهي مقبلة من مكة: أنا، وابن لطلحة بن عبيد الله ـ وهو ابن اختها ـ وقد كنا وقعنا في حائط من حيطان المدينة، فأصبنا منها فبلغها ذلك؛ فأقبلت على ابن أختها، تلومه، وتعذله؛ ثم أقبلت علي، فوعظتني موعظة بليغة؛ ثم قالت: أما علمت أن الله تعالى ساقك، حتى جعلك في بيت نبيه؛ ذهبت والله ميمونة، ورمى برسنك على غاربك؛ أما إنها كانت من أتقانا لله، وأوصلنا للرحم.

* قال وهيب بن الورد: لو أن علماءنا ـ عفا الله عنا وعنهم ـ نصحوا لله في عباده، فقالوا: يا عباد الله، اسمعوا ما نخبركم عن نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، وصالح سلفكم: من الزهد في الدنيا، فاعملوا به، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه الفاسدة؛ كانوا قد نصحوا لله في عباده؛ ولكنهم يأبون، إلا أن يجروا عباد الله إلى فتنتهم، وما هم فيه.

* عن مبارك أبو حماد قال: سمعت سفيان الثوري يقول لعلي ابن الحسن السليمي: إياك وما يفسد عليك عملك وقلبك، فإنما يفسد عليك قلبك: مجالسة أهل الدنيا، وأهل الحرص، وإخوان الشياطين: الذين ينفقون أموالهم في غير طاعة الله؛ وإياك وما يفسد عليك دينك، فإنما يفسد عليك دينك: مجالسة ذوي الألسن، المكثرين للكلام.

وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما يفسد عليك معيشتك: أهل الحرص، وأهل الشهوات.

وإياك ومجالسة أهل الجفاء، ولا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي؛ ولا تصحب الفاجر، ولا تجالسه، ولا تجالس من يجالسه، ولا تؤاكله، ولا تؤاكل من يؤاكله، ولا تحب من يحبه، ولا تفش إليه سرك، ولا تبسم في وجهه، ولا توسع له في مجلسك؛ فإن فعلت شيئًا من ذلك: فقد قطعت عرى الإسلام.

وإياك وأبواب السلطان، وأبواب من يأتي أبوابهم، وأبواب من يهوى هواهم؛ فإن فتنهم مثل فتن الدجال، فإن جاءك منهم أحد: فانظر إليه بوجه مكفهر، ولا تبال منهم شيئًا، فيرون أنهم على الحق، فتكون من أعوانهم؛ فإنهم لا يخالطون أحدًا: إلا دنسوه؛ وكن مثل الأترجة: طيبة الريح، طيبة الطعم؛ لا تنازع أهل الدنيا في دنياهم: تكن محببًا إلى الناس.

وإياك والمعصية، فتستحق سخط الله؛ واعلم: أنه لم يكن أحد أكرم على الله من آدم عليه السلام: جبل الله تربته بيده، ونفخ فيه من روحه، وأكرمه بسجود ملائكته، وأسكنه جنته؛ فأخرجه منها بذنب واحد.

واعلم يا أخي: أن الله تعالى لا يدخل أحدًا الجنة بالمعاصي، وأن داود عليه السلام خليفة الله في الأرض: نزل ما نزل به بخطيئة واحدة، ولو أنا عملنا مثلها، لقلنا: ليست بخطيئة؛ فاتق الله يا أخي، واجتنب المعاصي وأهلها؛ فإن أهل المعاصي: استوجبوا من الله النقمة.

وكن مبذولًا بمالك ونفسك لإخوانك، ولا تغشهم في السرور والعلانية، وابغض الجهال ومجالستهم، والفجار وصحبتهم؛ فإنه لا ينجو من جاورهم، إلا من عصم الله؛ وإذا كنت مع الناس: فعليك بكثرة التبسم والبشاشة؛ وإذا خلوت بنفسك: فعليك بكثرة البكاء، والهم، والحزن؛ فقد بلغنا والله أعلم: أن أكثر ما يجد المؤمن يوم القيامة في كتابه من الحسنات: الهم، والحزن.

وإياك وخشوع النفاق، وأن تظهر على وجهك خشوعًا ليس في قلبك.

(7/ 47ـ48)

* قال سهل بن عبد الله: أركان الدين أربعة: الصدق، واليقين، والرضا، والحب؛ فعلامة الصدق: الصبر، وعلامة اليقين: النصيحة؛ وعلامة الرضا: ترك الخلاف؛ وعلامة الإيثار والصبر يشهد للصدق.

(10/ 191ـ192)

* عن محمد بن إدريس الشافعي قال: ما ناظرت أحدًا قط، إلا على النصيحة.

* عن أبي العالية قال: تعلموا القرآن، فإذا تعلمتموه، فلا ترغبوا عنه؛ وإياكم وهذه الأهواء، فإنها توقع بينكم العداوة والبغضاء؛ وعليكم بالأمر الأول، الذي كانوا عليه قبل أن يتفرقوا؛ فإنا قد قرأنا القرآن قبل أن يقتل صاحبهم ـ يعني: عثمان ـ بخمسة عشرة سنة. قال عاصم: فحدثت به الحسن؛ فقال: قد نصحك والله، وصدقك.

* عن أبي حمزة الأعور قال: لما كثرت المقالات بالكوفة: أتيت إبراهيم النخعي، فقلت: يا أبا عمران، أما ترى ما ظهر بالكوفة من المقالات؟ فقال: أوه، دققوا قولًا، واخترعوا دينا من قبل أنفسهم، ليس من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقالوا: هذا هو الحق، وما خالفه باطل؛ لقد تركوا دين محمد - صلى الله عليه وسلم - إياك، وإياهم.

* عن محمد بن سوقة قال: أتيت نعيم بن أبي هند، فأخرج إلي صحيفة؛ فإذا فيها: من أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، إلى عمر بن الخطاب: سلام عليك؛ أما بعد: فإنا عهدناك، وأمر نفسك لك مهم، فأصبحت قد وليت أمر هذه الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس بين يديك الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل؛ فانظر، كيف أنت عند ذلك يا عمر؟ فإنا نحذرك يومًا تعنى فيه الوجوه، وتجف فيه القلوب، وتنقطع فيه الحجج لحجة ملك، قهرهم بجبروته؛ فالخلق داخرون له، يرجون رحمته، ويخافون عقابه.

وأنا كنا نحدث: أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها، إلى أن يكونوا أخوان العلانية: أعداء السريرة؛ وإنا نعوذ بالله: أن ينزل كتابنا إليك، سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا؛ فإنما كتبنا به: نصيحة لك؛ والسلام عليك.

فكتب إليهما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: من عمر بن الخطاب، إلى أبي عبيدة ومعاذ: سلام عليكمًا؛ أما بعد: أتاني كتابكما، تذكران أنكما عهدتماني، وأمر نفسي لي مهم؛ فأصبحت قد وليت أمر هذه الأمة: أحمرها وأسودها، يجلس بين يدي: الشريف والوضيع، والعدو والصديق، ولكل حصته من العدل.

كتبتما: فانظر كيف أنت عند ذلك يا عمر؛ وأنه: لا حول ولا قوة لعمر عند ذلك، إلا بالله عز وجل.

وكتبتما: تحذراني ما حذرت منه الأمم قبلنا؛ وقديما: كان اختلاف الليل والنهار بآجال الناس، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود؛ حتى يصير الناس إلى منازلهم: من الجنة، والنار.

كتبتما: تحذراني: أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها، إلى أن يكونوا أخوان العلانية: أعداء السريرة؛ ولستم بأولئك، وليس هذا بزمان ذاك؛ وذلك زمان تظهر فيه الرغبة والرهبة، تكون رغبة الناس بعضهم إلى بعض: لصلاح دنياهم.

كتبتما: تعوذاني بالله: أن أنزل كتابكما سوى المنزل الذي نزل من قلوبكما، وأنكما كتبتما به نصيحة لي؛ وقد صدقتما، فلا تدعا الكتاب إلي، فإنه لا غنى بي عنكما؛ والسلام عليكما.

(1/ 237ـ238)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت