فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 392

* عن عروة بن الزبير قال: خطبت إلى عبد الله بن عمر ابنته، ونحن في الطواف، فسكت، ولم يجبني بكلمة؛ فقلت: لو رضي لأجابني، والله، لا أراجعه فيها بكلمة أبدًا؛ فقدر له: أن صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت، فدخلت مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فسلمت عليه، وأديت إليه من حقه ما هو أهله؛ فأتيته، ورحب بي؛ وقال: متى قدمت؟ فقلت: هذا حين قدومي؛ فقال: أكنت ذكرت لي سودة بنت عبد الله، ونحن في الطواف نتخايل الله عز وجل بين أعيننا؟ وكنت قادرًا أن تلقاني في غير ذلك الموطن؛ فقلت: كان أمرًا قدر؛ قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط؛ فدعا ابنيه: سالما وعبد الله، فزوجني.

* عن ابن السماك قال: أوصاني أخي داود بوصية: أنظر، أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك؛ واستح في قربه منك، وقدرته عليك.

* قال رجل لوهيب بن الورد: عظني، قال: اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك.

* عن أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى عنه قال:

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل…خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يخلف ما مضى…وأن الذي يخفى عليه يغيب

لهونا عن الأيام حتى تتابعت…ذنوب على آثارهن ذنوب

فيا ليت أن يغفر الله ما مضى…ويأذن لي في توبة فأتوب

* عن الفضل بن صدقة الواسطي قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إذا اطلع الخبر على الضمير، فلم يجد في الضمير غير الخبير: جعل فيه سرجًا منيرًا.

* جاء رجل إلى أبي يزيد البسطامي فقال: أوصني؛ فقال له: أنظر إلى السماء؛ فنظر صاحبه إلى السماء؛ فقال له أبو يزيد: أتدري من خلق هذا؟ قال: الله؛ قال أبو يزيد: إن من خلقها: لمطلع عليك حيث كنت، فاحذره.

* سئل أبا عبد الله الحارث بن أسد عن المراقبة لله، وعن المراقب لربه؛ فقال: إن المراقبة تكون على ثلاث خلال، على قدر عقل العاقلين، ومعرفتهم بربهم، يفترقون في ذلك؛ فإحدى الثلاث: الخوف من الله، والخلة الثانية: الحياء من الله، والخلة الثالثة: الحب لله.

فأما الخائف: فمراقب بشدة، حذر من الله تعالى، وغلبة فزع.

وأما المستحيي من الله: فمراقب بشدة انكسار، وغلبة إخبات.

وأما المحب: فمراقب بشدة سرور، وغلبة نشاط، وسخاء نفس، مع إشفاق لا يفارقه.

ولن تكاد أن تخلو قلوب المراقبين من ذكر إطلاع الرقيب بشدة حذر من قلوبهم: أن يراهم غافلين عن مراقبته؛ والمراقبة: ثلاث خلال، في ثلاثة أحوال؛ أولها: التثبت بالحذر، قبل العمل بما أوجب الله، والترك لما نهى الله عنه، مخافة الخطأ؛ فإذا تبين له الصواب: بالمبادرة إلى العمل بما أوجب الله، والترك لما نهى الله، مخافة التفريط؛ فإذا دخل في العمل: فالتكميل للعمل، مخافة التقصير، فمن لم يثبت قبل العمل مخافة الخطأ، فغير مراقب لمن يعمل له إذا كان لا يأمن، من أن يعمل على غير ما أحب، وأمر به؛ ومن لم يبادر ويسارع إلى عمل ما يحب الله، بعد ما تبين له الصواب: فما راقب إذا بطأ عن العمل، لمحبة من يراقبه، إذ يراه متثبطًا عن القيام بما أمر به؛ ومن لم يجتهد في تكميل عمله: فضعيف، مقصر في مراقبة من يراقبه: إذا قصر عن إحكام العمل لمن يعمل، وقد علم أن الله جل ثناؤه يحب تكميله وإحكامه.

وقال: سبع خلال يكمل لها عمل المريد، وحكمته: حضور العقل، ونفاد الفطنة، وسعة العمل بغير غلط، وقهر العقل للهوى، وعظم الهم: كيف يرضي الرب تعالى؟ والتثبت قبل القول والعمل، وشدة الحذر للآفات التي تشوب الطاعات.

وأقل المريدين غفلة: أدومهم مراقبة، مع تعظيم الرقيب؛ والدليل على صدق المراقبة بإجلال الرقيب: شدة العناية بالفطنة لدواعي العقل من دواعي الهوى، والتثبت بالنظر بنور العلم، والتمييز بين الطاعة، وما شابهها من الآفات؛ وقوة العزم على تكميل المراقبة في الحظوة، في عين المليك المطلع؛ وشدة الفزع مما يكره خوف المقت.

والدليل على قوة الخوف: شدة الإشفاق مما مضى من السيئات: أن لا تغفر، وما تقدم من الإحسان: أن لا يقبل؛ ودوام الحذر فيما يستقبل: أن لا يسلم، وعظم الهم من عظيم الرغبة، وعظيم الرغبة من كبر المعرفة، بعظيم قدر المرغوب فيه وإليه.

وسمو الهمة: يخفف التعب والنصب، ويهون الشدائد في طلب الرضوان، ويستقل معه بذل المجهود بعظيم ما ارتفع إليه.

الهم والنشاط: بالدوب دائم، والسرور بالمناجاة: هائج، والصبر: زمام النفس عن المهالك، وإمساك لها على النجاة.

فاليقين: راحة للقلوب من هموم الدنيا، وكاسب لمنافع الدين كلها؛ وحسن الأدب: زين للعالم، وستر للجاهل؛ من قصر أمله: حذر الموت، ومن حذر الموت: خاف الفوت؛ ومن خاف الفوت: قطع الشوق؛ ومن قطع الشوق: بادر قبل زوال إمكان الظفر.

فاجعل التيقظ واعظك، والتثبت وكيلك، والحذر منبهك، والمعرفة دليلك، والعلم قائدك، والصبر زمامك، والفزع إلى الله عز وجل عونك؛ ومن لم توسعه الدنيا غنى، ولا رفعة أهلها شرفًا، ولا الفقر فيها صفة، فقد ارتفعت همته، وعزفت عن الدنيا نفسه؛ من كانت نعمته: السلامة من الآثام، ورغب إلى الله في حوادث فوائد لمريد نقل عن الدنيا بقلبه.

ومن اشتد تفقده ما يضره في دينه، وينفعه في آخرته، وذكر اطلاع الله إليه، ومثل عظيم هول المطلع، وأشفق مما يأتي به الخير؛ فقد صدق الله في معاملته، وحقق استعمال ما عرفه ربه.

ومن قدم العزم لله على العمل بمحبته، ووفاء لله بعزمه، وجانب ما يعترض بقلبه من خطرات السوء ونوازع الفتن، فقد حقق ما علم، وراقب الله في أحواله.

كهف المريد، وحرزه التقوى، والاستعداد عونه وجنته التي يدفع بها آفات العوارض، وسور النوازل؛ والحذر يورثه النجاة والسلامة، والصبر يورثه: الرغبة والرهبة؛ وذكر كثرة سوالف الذنوب، يورثه شدة الغم، وطول الحزن، وعظم معرفته بكثرة آفات العوارض في الطاعات، تورثه شدة الإشفاق من رد الإحسان.

(10/ 93ـ95)

* عن محمد بن علي الترمذي قال: اجعل مراقبتك: لمن لا يغيب عن نظره إليك، واجعل شكرك: لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل خضوعك: لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه.

* سئل عبد الله بن فاتك عن المراقبة فقال: إذا كنت فاعلًا: فانظر نظر الله إليك؛ وإذا كنت قائلًا: فانظر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكتًا: فانظر علم الله فيك؛ قال الله تعالى: { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه: 46] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت