فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 392

* عن هشام قال: أوصى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن يغسله محمد بن سيرين؛ فقيل له في ذلك ـ وكان محبوسا ـ؛ فقال: أنا محبوس؛ قالوا: قد استأذنا الأمير، فأذن لك؛ قال: إن الأمير لم يحبسني، إنما حبسني الذي له الحق؛ فأذن له صاحب الحق، فخرج، فغسله.

* عن قتادة قال: ذكر لنا: أن هرم بن حيان لما حضره الموت، قيل له: أوص؛ قال: ما أدري ما أوصي، ولكن: بيعوا درعي، فاقضوا عني ديني؛ فإن لم يفي، فبيعوا غلامي؛ وأوصيكم بخواتيم النحل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] .

* عن مسلم بن عقيل عن أبيه قال: كنا عند ابن عمر عند المسجد الحرام؛ فسألته امرأة عن مخارب؛ فقالت: إن أبا هذا، أوصى ببعير في سبيل الله؛ فقال ابن عمر: إن سبل الله كثيرة، من سبيل الله: حج البيت، ومن سبيل الله: صلة الرحم، ومن سبيل الله: قوم من المسلمين، يقاتلون قومًا من المشركين، ليس لهم مركب.

* عن عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: لا تجعل الرجال أوصياءك؛ كيف تلومهم أن يضيعوا وصيتك، وأنت قد ضيعتها في حياتك؛ وأنت بعد هذا: تصير إلى بيت الوحشة، وبيت الظلمة، وبيت الدود؛ ويكون زائرك فيها: منكرًا ونكيرًا، وقبرك: روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار؛ ثم بكى الفضيل، وقال: أعاذنا الله وإياكم من النار.

* عن عيسى بن حازم قال: كنت مع إبراهيم بن أدهم بمكة، إذ لقيه قوم؛ قالوا: آجرك الله، مات أبوك؛ قال: مات؟ قالوا: نعم؛ قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمه الله؛ قالوا: قد أوصى إليك، وقد ضجر العامل جمع ما خلف؛ قال: فسبقهم إلى البلد، فأتى العامل؛ فقال: أنا ابن الميت؛ فقال: ومن يعلم؟ قال: السلام عليكم، وخرج يريد مكة؛ فقال الناس للعامل: هذا إبراهيم بن أدهم، إلحقه، لا تكون أغضبته، فيدعو عليك؛ فلحقه، وقال: ارجع، واجعلني في حل، ما عرفتك؛ قال: قد جعلتك في حل من قبل أن تقول لي، فرجع، وأنفذ وصايا أبيه، وقسم نصيبه على الورثة؛ وخرج راجعًا إلى مكة.

* عن الشافعي قال: لما حضرت الحطيئة الوفاة، قيل له: أوص؛ قال أوصي المساكين بالمسألة؛ قيل له: أوص في مالك؛ قال: مالي للذكور دون الإناث؛ قيل: ليس هذا قضاء الله؛ قال: لكني أقوله؛ ثم قال: احملوني على حمار، فإنه من يموت عليه: كريم.

* عن أبي إسحاق، أن أبا ميسرة: أوصى أن يصلى عليه شريح.

* قال أبو عبد الله، ودخلت على محمد بن أسلم قبل موته بأربعة أيام بنيسابور، فقال: يا أبا عبد الله، تعال أبشرك بما صنع الله بأخيك من الخير، قد نزل بي الموت، وقد من الله علي أن ليس عندي درهم يحاسبني الله عليه، وقد علم الله ضعفي، وأني لا أطيق الحساب، فلم يدع عندي شيئًا يحاسبني به الله؛ ثم قال: اغلق الباب، ولا تأذن لأحد علي حتى أموت وتدفنوني، إني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثًا، غير كتبي وكسائي، ولبدي وإنائي الذي أتوضأ منه، وكتبي هذه، فلا تكلفوا الناس مؤنة، وكانت معه صرة فيها نحو ثلاثين درهمًا، فقال: هذا لابني، أهداه إليه قريب له، ولا أعلم شيئًا أحل لي منه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أنت ومالك لأبيك". وقال:"أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وولده من كسبه". فكفنوني فيها، فإن أصبتم لي بعشرة دراهم ما يستر عورتي، فلا تشتروا بخمسة عشر، وابسطوا على جنازتي لبدي، وغطوا على جنازتي كسائي، ولا تكلفوا أحدًا ليأتي جنازتي، وتصدقوا بإنائي أعطوه مسكينا يتوضأ منه. ثم مات في اليوم الرابع. فعجبت أن قال لي ذلك بيني وبينه، فلما أخرجت جنازته جعل النساء يقلن من فوق السطوح: يا أيها الناس هذا العالم الذي خرج من الدنيا وهذا ميراثه الذي على جنازته ليس مثل علمائنا هؤلاء الذين هم عبيد بطونهم، يجلس أحدهم للعلم سنتين أو ثلاثا فيشتري الضياع ويستفيد المال. وقال لي محمد: يا أبا عبد الله أنا معك، وقد علمت أن معي في قميصي من يشهد علي فكيف ينبغي لي أن آتي الذنوب إنما يعمل الذنوب جاهل ينظر فلا يرى أحدا فيقول: ليس يراني أحد أذهب فأذنب. فأما أنا كيف يمكنني ذلك وقد علمت أن داخل قميصي من يشهد علي، ثم قال: يا أبا عبد الله ما لي ولهذا الخلق، كنت في صلب أبي وحدي، ثم صرت في بطن أمي وحدي، ثم دخلت الدنيا وحدي، ثم تقبض روحي وحدي، وأدخل في قبري وحدي، ويأتيني منكر ونكير فيسألاني في قبري وحدي، فإن صرت إلى خير صرت وحدي وإن صرت إلى شر كنت وحدي، ثم أوقف بين يدي الله وحدي، ثم يوضع عملي وذنوبي في الميزان وحدي، وإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي، وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي، فما لي وللناس. ثم تفكر ساعة فوقعت عليه الرعدة حتى خشيت أن يسقط ثم رجعت إليه نفسه، ثم قال: يا أبا عبد الله إن هؤلاء قد كتبوا رأي أبي حنيفة وكتبت أنا الأثر فأنا عندهم على غير طريق وهم عندي على غير طريق. وقال لي: يا أبا عبد الله أصل الإسلام في هذه الفرائض، وهذه الفرائض في حرفين: ما قال الله ورسوله افعل فهو فريضة ينبغي أن يفعل، وما قال الله ورسوله لا تفعل فينبغي أن ينتهى عنه فتركه فريضة. وهذا في القرآن وفي فريضة النبي صلى الله عليه وسلم وهم يقرؤونه ولكن لا يتفكرون فيه، قد غلب عليهم حب الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت