* قال الشافعي: كان حماد البربري واليًا علينا بمكة، فزادوه اليمن، فقلت لأمي: ما ندري، وما أملي لهذا الرجل؟ ولي مكة، وزيد اليمن؛ فقالت: يا بني، إن الحجر إذا سما، كان أشد سقوطًا؛ فقلت: يا أمه، صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لا تقوم الساعة، حتى تصير للكع بن لكع» . فقالت: يا بني، وأين لكع بن لكع، رحم الله لكع بن لكع منذ زمن طويل.
* عن ابن طاووس قال: كنت لا أزال أقول لأبي: إنه ينبغي أن تخرج على هذا السلطان، وأن تقعد به؛ قال: فخرجنا حجاجًا، فنزلنا في بعض القرى، وفيها عامل لمحمد بن يوسف، أو أيوب بن يحيى، يقال له: ابن نجيح، وكان من أخبث عمالهم؛ فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فإذا ابن نجيح قد أخبر بطاووس، فجاء، فقعد بين يديه فسلم عليه، فلم يجبه، فكلمه، فأعرض عنه، ثم عدل إلى الشق الأيسر، فأعرض عنه؛ فلما رأيت ما به، قمت إليه، فمددت بيده، وجعلت أسأله، وقلت له: إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك؛ قال: بلى، معرفته بي فعل بي ما رأيت؛ قال: فمضى وهو ساكت، لا يقول لي شيئًا؛ فلما دخلت المنزل، التفت إلي، فقال لي: يا لكع، بينما أنت زعمت أن تخرج عليهم بسيفك، لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك.
* عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: بعث إلى هشام بن عبد الملك، فقال لي: يا إبراهيم، إنا قد عرفناك صغيرًا، واختبرناك كبيرًا، فرضينا سيرتك وحالك؛ وقد رأيت أن أخلطك بنفسي وخاصتي، وأشركك في عملي، وقد وليتك خراج مصر؛ قال: فقلت: أما الذي عليه رأيك يا أمير المؤمنين، فالله يجزيك ويثيبك، وكفى به جازيًا ومثيبًا، وأما الذي أنا عليه، فمالي بالخراج بصر، ومالي عليه قوة؛ قال: فغضب، حتى اختلج وجهه، وكان في عينيه قبل، فنظر إلى نظرًا منكرًا، ثم قال: لتلين طائعًا، أو لتلين كارهًا؛ قال: فأمسكت عن الكلام، حتى رأيت غضبه قد انكسر، وسورته قد طفئت؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، أتكلم؟ قال: نعم، قلت: إن الله سبحانه قال في كتابه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا} [الأحزاب: 72] الآية. فوالله يا أمير المؤمنين، ما غضب عليهن إذ أبين، ولا أكرههن إذ كرهن؛ وما أنا بحقيق أن تغضب علي إذ أبيت، ولا تكرهني أذ كرهت؛ قال: فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: يا إبراهيم قد أبيت إلا فقها، لقد رضينا عنك، وأعفيناك.
* كان أبو وائل ـ شقيق بن سلمة ـ يقول لجاريته: يا بركة، إذا جاء يحيى ـ يعني: إبنه ـ بشيء، فلا تقبليه؛ وإذا جاءك أصحابي بشيء، فخذيه؛ قال: وكان يحيى ابنه قاضيًا على الكناسة.
* عن مالك بن دينار قال: كنت عند بلال بن أبي بردة، وهو في قبة له؛ فقلت: قد أصبت هذا خاليًا، فأي قصص أقص عليه، فقلت في نفسي: ماله خير من أن أقص عليه ما لقي نظراؤه من الناس؛ فقلت له: أتدري من بنى هذا الذي أنت فيه؟ بناها عبيد الله بن زياد، وبنى البيضاء، وبنى المسجد، فولى ما ولى، فصار من أمره أن هرب، فطلب، فقتل؛ ثم ولى البصرة: بشر بن مروان، فقالوا: أخو أمير المؤمنين، فمات بالبصرة، فحملوه، وحشد الناس في جنازته؛ ومات زنجي، فحمله الزنج على طن من قصب، فذهب بأخي أمير المؤمنين، فدفنوه، وذهب بالزنجي، فدفنوه. ثم جعلت أقص عليه أميرًا أميرًا، حتى انتهيت إليه؛ فقلت في نفسي: قد بنيت دارًا بالكوفة، فلم ترها حتى أخذت فسجنت، فعذبت، حتى قتل فيها.
* عن وهب ـ بن منبه ـ أنه قال لعطاء الخرساني: كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إلى دنيا غيرهم، وكان أهل الدنيا يبذلون لهم دنياهم، رغبة في علمهم؛ فأصبح أهل العلم اليوم فينا، يبذلون لأهل الدنيا علمهم، رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا، قد زهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعهم عندهم؛ فإياك وأبواب السلاطين، فإن عند أبوابهم فتنا كمبارك الإبل، لا تصيب من دنياهم شيئًا، إلا وأصابوا من دينك مثله؛ ثم قال: يا عطاء، إن كان يغنيك ما يكفيك، فكل عيشك يكفيك، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس شئ يكفيك؛ إنما بطنك بحر من البحور، وواد من الأودية، لا يسعه إلا التراب.
* وفي رواية أنه قال له: ويحك يا عطاء، ألم أخبر أنك تحمل علمك إلى أبواب الملوك، وأبناء الدنيا؟ ويحك يا عطاء، أتأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويخفي عنك غناه؛ وتدع من يفتح لك بابه، ويظهر لك غناه، ويقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] . ويحك يا عطاء، إرض بالدون من الدنيا مع الحكمة، ولا ترض بالدون من الحكمة مع الدنيا؛ ويحك يا عطاء، إن كنت يغنيك ما يكفيك، فإن أدنى ما في الدنيا يكفيك؛ وإن كان لا يغنيك ما يكفيك، فليس في الدنيا شئ يكفيك؛ ويحك يا عطاء، إنما بطنك بحر من البحور، وواد من الأودية، ولا يملأه إلا التراب.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)