* عن عبد الواحد بن يزيد قال: يا إخوتاه، ألا تبكون خوفًا من النيران؟ ألا، وإنه من بكى خوفًا من النار: أعاذه الله تعالى منها؛ يا إخوتاه: ألا تبكون خوفًا من شدة العطش يوم القيامة؟ يا إخوتاه: ألا تبكون؟ بلى، فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا، لعله أن يسقيكموه في حظائر القدس، مع خير القدماء والأصحاب: من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. قال: ثم جعل يبكي، حتى غشى عليه.
* عن سفيان الثوري قال: فيما أوصى به علي بن الحسن المسلمي: عليك بالصدق في المواطن كلها، وإياك والكذب، والخيانة، ومجالسة أصحابها، فإنها وزر كله؛ وإياك يا أخي: والرياء في القول والعمل، فإنه شرك بعينه؛ وإياك والعجب: فان العمل الصالح: لا يرفع وفيه عجب.
ولا تأخذن دينك، إلا ممن هو مشفق على دينه؛ فإن مثل الذي هو غير مشفق على دينه: كمثل طبيب به داء، لا يستطيع أن يعالج داء نفسه، وينصح لنفسه؛ كيف يعالج داء الناس، وينصح لهم؟ فهذا الذي لا يشفق على دينه كي يشفق على دينك.
ويا أخي: إنما دينك: لحمك ودمك، ابك على نفسك وارحمها؛ فإن أنت لم ترحمها: لم ترحم؛ وليكن جليسك: من يزهدك في الدنيا، ويرغبك في الآخرة؛ وإياك ومجالسة أهل الدنيا: الذين يخوضون في حديث الدنيا، فإنهم يفسدون عليك دينك، وقلبك؛ وأكثر ذكر الموت، وأكثر الاستغفار مما قد سلف من ذنوبك، وسل الله السلامة لما بقي من عمرك.
ثم: عليك يا أخي بأدب حسن، وخلق حسن؛ ولا تخالفن الجماعة، فإن الخير فيها؛ إلا من هو مكب على الدنيا: كالذي يعمر بيتًا، ويخرب آخر؛ وانصح لكل مؤمن إذا سألك في أمر دينه، ولا تكتمن أحدًا من النصيحة شيئًا؛ إذا شاورك فيما كان لله فيه رضى.
وإياك أن تخون مؤمنًا، فمن خان مؤمنًا: فقد خان الله ورسوله؛ وإذا أحببت أخاك في الله، فابذل له نفسك، ومالك؛ وإياك: والخصومات، والجدال، والمراء؛ فإنك تصير: ظلومًا، خوانًا أثيمًا.
وعليك بالصبر في المواطن كلها، فإن الصبر يجر إلى البر، والبر يجر إلى الجنة؛ وإياك والحدة والغضب؛ فإنهما يجران إلى الفجور، والفجور يجر إلى النار.
ولا تمارين عالمًا فيمقتك، وإن الاختلاف إلى العلماء رحمة، والانقطاع عنهم: سخط الرحمن؛ وإن العلماء: خزان الأنبياء، وأصحاب مواريثهم؛ وعليك بالزهد: يبصرك الله عورات الدنيا؛ وعليك بالورع: يخفف الله حسابك؛ ودع كثيرا مما يريبك إلى مالا يريبك: تكن سليمًا؛ وادفع الشك باليقين: يسلم لك دينك؛ وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر: تكن حبيب الله؛ وابغض الفاسقين: تطرد به الشياطين؛ وأقل الفرح والضحك، بما تصيب من الدنيا: تزدد قوة عند الله؛ واعمل لآخرتك: يكفك الله أمر دنياك؛ وأحسن سريرتك: يحسن الله علانيتك؛ وابك على خطيئتك: تكن من أهل الرفيق الأعلى؛ ولا تكن غافلًا، فإنه ليس يغفل عنك.
وأن لله عليك حقوقًا وشروطًا كثيرة، وينبغي لك أن تؤديها، ولا تكونن غافلًا عنها؛ فإنه ليس يغفل عنك، وأنت محاسب بها يوم القيامة.
وإذا أردت أمرًا من أمور الدنيا: فعليك بالتؤدة؛ فإن رأيته موافقًا لأمر آخرتك: فخذه؛ وإلا: فقف عنه؛ حتى ينظر إلى من أخذه: كيف عمله فيها، وكيف نجا منها؛ واسأل الله العافية.
وإذا هممت بأمر من أمور الآخرة: فشمر إليها وأسرع، من قبل أن يحول بينها وبينك الشيطان.
ولا تكونن أكولًا، لا تعمل بقدر ما تأكل، فإنه يكره ذلك؛ ولا تأكل بغير نية، ولا بغير شهوة، ولا تحشون بطنك: فتقع جيفة لا تذكر الله.
وأكثر من الهم والحزن، فإن أكثر ما يجد المؤمن في كتابه من الحسنات: الهم، والحزن.
وإياك والطمع فيما في أيدي الناس، فإن الطمع هلاك الدين؛ وإياك والرغبة، فإن الرغبة تقسي القلب؛ وإياك والحرص على الدنيا، فان الحرص مما يفضح الناس يوم القيامة؛ وكن طاهر القلب، نقي الجسد من الذنوب والخطايا، نقي اليدين من المظالم، سليم القلب من الغش، والمكر، والخيانة؛ خالي البطن من الحرام، فإنه لا يدخل الجنة: لحم نبت من سحت؛ كف بصرك عن الناس، ولا تمشين بغير حاجة، ولا تكلمن بغير حكم، ولا تبطش بيدك إلى ما ليس لك.
وكن خائفا حزينًا لما بقي من عمرك؛ لا تدري ما يحدث فيه من أمر دينك؛ وإياك أن تلي نفسك من الأمانة شيئًا، وكيف تليها، وقد سماك الله ظلومًا جهولًا؟ أبوك آدم: لم يبق فيها، ولم يستكمل يوم حملها، حتى وقع في الخطيئة.
أقل العثرة، واقبل المعذرة، واغفر الذنب؛ كن ممن يرجى خيره، ويؤمن شره؛ لا تبغض أحدا ممن يطيع الله؛ كن رحيمًا للعامة والخاصة، ولا تقطع رحمك، وصل من قطعك، وصل رحمك، وإن قطعك.
وتجاوز عمن ظلمك، تكن رفيق الأنبياء والشهداء؛ وأقل دخول السوق: فإنهم ذئاب عليهم ثياب، وفيها مردة الشياطين من الجن والإنس؛ وإذا دخلتها، فقد لزمك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ وإنك لا ترى فيها إلا منكرًا؛ فقم على طرفها، فقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ فقد بلغنا: أنه يكتب لقائلها بكل من في السوق: عجمي، أو فصيح: عشر حسنات؛ ولا تجلس فيها، واقض حاجتك وأنت قائم: يسلم لك دينك.
وإياك أن يفارقك الدرهم، فإنه أتم لعقلك، ولا تمنعن نفسك من الحلاوة، فإنه يزيد في الحلم؛ وعليك باللحم، ولا ندم عليه، ولا تدعه أربعين يومًا: فإنه يسيء خلقك؛ ولا ترد الطيب، فإنه يزيد في الدماغ؛ وعليك بالعدس، فإنه يفرز الدموع، ويرق القلب؛ وعليك باللباس الخشن: تجد حلاوة الإيمان؛ وعليك بقلة الأكل: تملك سهر الليل؛ وعليك بالصوم: فإنه يسد عنك باب الفجور، ويفتح عليك باب العبادة؛ وعليك بقلة الكلام: يلين قلبك؛ وعليك بطول الصمت: تملك الورع.
ولا تكونن حريصًا على الدنيا، ولا تكن حاسدًا: تكن سريع الفهم؛ ولا تكن طعانًا: تنج من ألسن الناس؛ وكن رحيمًا: تكن محببًا إلى الناس؛ وارض بما قسم الله لك من الرزق: تكن غنيًا؛ وتوكل على الله: تكن قويًا؛ ولا تنازع أهل الدنيا في دنياهم: يحبك الله، ويحبك أهل الأرض؛ وكن متواضعًا: تستكمل أعمال البر؛ اعمل بالعافية: تأتك العافية من فوقك؛ كن عفوا: تظفر بحاجتك؛ كن رحيما، يترحم عليك كل شيء.
يا أخي، لا تدع أيامك ولياليك وساعاتك تمر عليك باطلًا، وقدم من نفسك لنفسك ليوم العطش؛ يا أخي، فإنك لا تروي يوم القيامة: إلا بالرضى من الرحمن؛ ولا تدرك رضوانه: إلا بطاعتك؛ وأكثر من النوافل: تقربك إلى الله؛ وعليك بالسخاء: تستر العورات، يخفف الله عليك الحساب والأهوال؛ وعليك بكثرة المعروف: يؤنسك الله في قبرك؛ واجتنب المحارم كلها: تجد حلاوة الإيمان.
جالس أهل الورع، وأهل التقى: يصلح الله أمر دينك؛ وشاور في أمر دينك الذين يخشون الله؛ وسارع في الخيرات: يحول الله بينك وبين معصيتك؛ وعليك بكثرة ذكر الله: يزهدك الله في الدنيا؛ وعليك بذكر الموت: يهون الله عليك أمر الدنيا؛ واشتق إلى الجنة: يوفق الله لك الطاعة؛ وأشفق من النار: يهون الله عليك المصائب؛ أحب أهل الجنة: تكن معهم يوم القيامة؛ وابغض أهل المعاصي: يحبك الله، والمؤمنون شهود الله في الأرض؛ ولا تسبنَّ أحدًا من المؤمنين؛ ولا تحقرنَّ شيئا من المعروف؛ ولا تنازع أهل الدنيا في دنياهم؛ وانظر يا أخي، أن يكون أول أمرك: تقوى الله، في السر والعلانية؛ واخش الله خشية من قد علم: أنه ميت، ومبعوث، ثم الحشر، ثم الوقوف بين يدي الجبار عز وجل، وتحاسب بعملك، ثم المصير إلى إحدى الدارين: إما جنة ناعمة خالدة، وإما نار فيها ألوان العذاب؛ مع خلود لا موت فيه؛ وارج رجاء من علم: أنه يعفو، أو يعاقب. وبالله التوفيق، لا رب غيره.
(7/ 82ـ85)
* عن الذيال بن عباد قال: كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، ورحمك من النار؛ فقد أصبحت بحال: ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك منها؛ أصبحت شيخا كبيرًا، قد أثقلتك نعم الله عليك: بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك، وعلمت حجج الله تعالى: مما حملك من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وفهمك من سنة نبيك - صلى الله عليه وسلم -؛ فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك، وكل حجة يحتج بها عليك الغرض الأقصى؛ ابتلى في ذلك شكرك، وأبدى فيه فضله عليك؛ وقد قال: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] أنظر: أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي الله عز وجل؟ فسألك عن نعمه عليك: كيف رعيتها؟ وعن حججه عليك: كيف قضيتها؟ ولا تحسبن الله راضيًا منك بالتغرير، ولا قابلًا منك التقصير؛ هيهات، ليس كذلك أخذ على العلماء في كتابه، إذ قال تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران: 187] الآية. إنك تقول: أنك جدل، ماهر، عالم، قد جادلت الناس: فجدلتهم، وخاصمتهم: فخصمتهم؛ إدلالًا منك بفهمك، واقتدارًا منك برأيك؛ فأين تذهب عن قول الله عز وجل: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [النساء: 109] الآية. اعلم، أن أدنى ما ارتكبت، وأعظم ما احتقبت: أن أنست الظالم، وسهلت له طريق الغي: بدنوك حين أدنيت، واجابتك حين دعيت؛ فما أخلقك: أن تبوء باسمك غدًا مع الجرمة، وأن تسأل عما أردت، بإغضائك عن ظلم الظلمة؛ إنك أخذت ما ليس لمن أعطاك، ودنوت ممن لا يرد على أحد حقًا، ولا ترك باطلًا حين أدناك؛ وأجبت من أراد التدليس بدعائه إياك حين دعاك، جعلوك قطبًا تدور رحى باطلهم عليك، وجسرًا يعبرون بك إلى بلائهم، وسلما إلى ضلالتهم، وداعيًا إلى غيهم، سالكًا سبيلهم؛ يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم؛ فلم تبلغ أخص وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم لهم، إلا دون ما بلغت من: إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم؛ فما أيسر ما عمروا لك، في جنب ما خربوا عليك؛ وما أقل ما أعطوك، في كثير ما أخذوا منك؛ فانظر لنفسك، فإنه لا ينظر لها غيرك؛ وحاسبها حساب رجل مسئول؛ وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه، صغيرًا، وكبيرًا؟ وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس بخيلًا؟ وكيف صيانتك لكسوة من جعلك لكسوته ستيرًا؟ وكيف قربك وبعدك، ممن أمرك أن تكون منه قريبًا؟ مالك لا تنتبه من نعستك، وتستقيل من عثرتك؟ فتقول: والله، ما قمت لله مقامًا واحدًا: أحي له فيه دينًا، ولا أميت له فيه باطلًا؛ إنما شكرك لمن استحملك كتابه، واستودعك علمه، ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى} [الأعراف: 169] الآية. إنك لست في دار مقام قد أوذنت بالرحيل، ما بقاء المرء بعد أقرانه؛ طوبى لمن كان مع الدنيا على وجل، يا بؤس من يموت، وتبقى ذنوبه من بعده؛ إنك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك؛ ليس أحد أهلًا أن تردفه على ظهرك؛ ذهبت اللذة، وبقيت التبعة، ما أشقى من سعد بكسبه غيره؛ احذر، فقد أتيت، وتخلص، فقد أدهيت؛ إنك تعامل من لا يجهل، والذي يحفظ عليك لا يغفل؛ تجهز: فقد دنا منك سفر، وداو دينك، فقد دخله سقم شديد؛ ولا تحسبن أني أردت توبيخك، أو تعييرك وتعنيفك؛ ولكني أردت أن تنعش ما فات من رأيك، وترد عليك ما عزب عنك من حلمك؛ وذكرت قوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذريات: 55] . أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب؛ فانظر: هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به، أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه؛ وهل تراه ادخر لك خيرًا منعوه، أو علمك شيئًا جهلوه؛ بل جهلت ما ابتليت به من حالك في صدور العامة، وكلفهم بك: أن صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك؛ إن أحللت، أحلوا؛ وإن حرمت، حرموا؛ وليس ذلك عندك، ولكنهم إكبابهم عليك، ورغبتهم فيما في يديك: ذهاب عملهم، وغلبة الجهل عليك وعليهم، وطلب حب الرياسة، وطلب الدنيا منك ومنهم؛ أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرة، وما الناس فيه من البلاء والفتنة؛ ابتليتهم بالشغل عن مكاسبهم، وفتنتهم بما رأوا من أثر العلم عليك، وتاقت أنفسهم إلى أن يدركوا بالعلم ما أدركت، ويبلغوا منه مثل الذي بلغت؛ فوقعوا بك في بحر لا يدرك قعره، وفي بلاء لا يقدر قدره؛ فالله لنا ولك ولهم المستعان.
واعلم، أن الجاه جاهان: جاه يجريه الله تعالى على يدي أوليائه لأوليائه، الخامل ذكرهم، الخافية شخوصهم؛ ولقد جاء نعتهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
إن الله يحب: الأخفياء، الأتقياء، الأبرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يعرفوا؛ قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة؛ فهؤلاء أولياء الله، الذين قال الله تعالى فيهم: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] وجاه يجريه الله تعالى على يدي أعدائه لأوليائه ومقة يقذفها الله في قلوبهم لهم، فيعظمهم الناس بتعظيم أولئك لهم، ويرغب الناس فيما في أيديهم، لرغبة أولئك فيه إليهم: {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُون} [المجادلة: 19] .
وما أخوفني: أن تكون ممن ينظر لمن عاش: مستورًا عليه في دينه، مقتورًا عليه في رزقه، معزولة عنه البلايا، مصروفة عنه الفتن في عنفوان شبابه، وظهور جلده، وكمال شهوته، فعنى بذلك دهره؛ حتى إذا كبر سنه، ورق عظمه، وضعفت قوته، وانقطعت شهوته ولذته: فتحت عليه الدنيا شر فتوح، فلزمته تبعتها، وعلقته فتنتها، وأعشت عينيه زهرتها، وصفت لغيره منفعتها؛ فسبحان الله، ما أبين هذا الغبن، وأخسر هذا الأمر؛ فهلا إذ عرضت لك فتنتها: ذكرت أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، في كتابه إلى سعد، حين خاف عليه مثل الذي وقعت فيه، عند ما فتح الله على سعد؛ أما بعد: فأعرض عن زهرة ما أنت فيه، حتى تلقى الماضين الذين دفنوا في أسمالهم، لاصقة بطونهم بظهورهم؛ ليس بينهم وبين الله حجاب، لم تفتنهم الدنيا، ولم يفتتنوا بها، رغبوا، فطلبوا؛ فما لبثوا أن لحقوا.
فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا: في كبر سنك، ورسوخ علمك، وحضور أجلك؛ فمن يلوم الحدث في سنه، والجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.
على من المعول، وعند من المستعتب؟ نحتسب عند الله مصيبتنا، ونشكو إليه بثنا وما نرى منك؛ ونحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به؛ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
(3/ 246ـ249)
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)