كان أسبقهم اجتهادا, وأطيبهم اعتقادا, و أبينهم رشادا, وأقومهم طريقا وسدادا, إمام الأئمة, وسراج هذه الأمة, أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي رضي الله تعالى عنه, فحط عن وجه الشريعة لثام الإنكتام, وكشف عن جبين الفقه غمام الظلام, قدم حلوق علماء عصره بقدام الإفحام, وأرسى قدمه في مزالق الأقدام, وبذل مجهوده في أحكام الأحكام, فمن بعده يغوصون في عمان النعمان, فيستخرجون منه درر فوائده, ويرتضعون أصفى درر فرائده, ويتناولون أشهى أغدية الدقائق من موائده, فمن استطعمه واستعظمه فقد تناول حلالا, وجعل الناس له في الفقه عيالا, مثل الإمام المعظم, و الصدر المفخم, الشافعي المطلب,ي ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم - , ورضي عنه حيث قال: ( الناس عيال ابي حنيفة في الفقه ) , وقد نظم هذا المعنى أخطب الخطباء شرقا وغربا, أبو المؤيد المكي الخوارزمي, على ما أنشدني الصدر الكبير شرف الدين أحمد بن مؤيد بن موفق المكي بخوارزم, قال: أنشدني جدي الصدر العلامة أخطب خطباء الشرق والغرب, صدر الأئمة أبو المؤيد موفق بن أحمد المكي الخوارزمي لنفسه في عدة أبيات له يمدح بها أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه
أئمة هذه الدنيا جميعا *** بلا ريب عيال أبي حنيفة
وقد بلغ الله تعالى مذهبه حيث أشرقت أنوار الصباح, وانسحبت أذيال الرياح, من حيث مدت الشمس جناحيها إلى أن ضمتها للوقوع في أفق الغروب, فثوى على مذهبه وطريقته ومحبته أكثر أهل الإسلام من أهل المشرق والسند والهند والروم, وطائفة من أهل العراق والشام, على رغم حاسد, منكر لتقدمه بغيا وعدوانا وجاحد