وقد ورد في حديث ( من كتب عني شيئا من القرأن فليمحه ) (1) , خشية أن يذهب شيء من القرآن, أو يختلط بغيره بحسب أن ذلك جائز, ثم لما قاتل الصحابة أهل الردة, وأصحاب مسيلمة, وقتل منهم نحو الخمسمائة أشار الفاروق على الصديق بجمع القرآن, خشية أن يذهب شيء من القرآن بقتل بعض القراء
فأمر زيد بن ثابت الأنصاري فتتبع القرآن يجمعه من صدور الرجال, ومن الجريد, والقحاف وألواح الأكتاف, فلم يترك منه آية إلا جمعها, ولاشاذة ولا فاذة إلا وجمعها, فكان ذلك في صحف مطهرة مكرمة, معظمة أيامي الصديق والفاروق, قلما كان عثمان بن عفان استدعى بتلك الصحف من عند أم المؤمنين حفصة, ورتب سورها على العرضة الأخيرة, التي عرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جبريل, في آخر سنينه السنية, فإنه كان يعارضه بما أوحاه إليه في كل رمضان مرة, فلما كان آخر رمضان صامه الذي أنزل عليه فيه القرآن عارضه مرتين, فكان ذلك إشارة إلى انقضاء عمر سيد الثقلين
فكتبه أمير المؤمنين عثمان بن عفان على العرضة الأخيرة منهما, وألزم الناس أن يقرؤوا على رسم ما رسمه في المصحف الإمام, ونفذ به نسخا إلى بقية الأمصار الكبار, ليقتدي بها الأنام ما بقيت الأيام
فقابلت الأمة ذلك بالسمع والطاعة, وأحرقوا عن أمره بقية المصاحف المخالفة لتلاوة الجماعة, وكانوا قد تباينت تلاوتهم, وخطأ بعضهم بعضا, حتى كثرت القالة والشناعة, فأشار حديفة بن اليمان على عثمان بما اعتمده من هذا الصنيع, الذي لم يسبق إليه, ولا يلحق فيه, وقد أمر بمتابعته والاقتداء به صاحب الشفاعة, وود علي بن أبي طالب في أيامه أن لو كان صاحب ذلك لو قدر له, أو قدر عليه, وقد بسط بفضل عثمان كف الضراعة, وقد اخذ التابعون لهم بإحسان عنهم تلاوة القرآن, قرنا بعد قرنا, وجيلا بعد جيل, وخلف بعد سلف إلى هذا الأوان
(1) - أخرجه مسلم ( 72 ) من حديث أبي سعيد الخدري