هذا وقد شرح الله صدري والحمد لله أن أرتب أحاديثه ترتيبا يسهل تناوله, وأترجم على كل حديث بما استنبط منه جماهير العلماء, وأضم إلى ذلك من القرآن العظيم ما لا بد للفقيه حفظه, ومن تفسيره ما لا بد له من معرفته, وأذكر في كل باب مذهب الشافعية والحنفية, إذ هم الفئتان العظيمتان اليوم, وهم أكثر الأمة, وهم المصنفون في أكثر الفنون الدينية, وهم القادة الأئمة, ولم أتعرض لمذهب غيرهما تسهيلا على حاملي الكتاب, ورغبة فيما هو الأهم في الباب, إلا في مواضع النكت, وأبين ما تعقب به الأئمة على مالك بإشارة لطيفة, حيث كان التعقب بحديث صحيح صريح, وأبين ما مست إليه الحاجة في معانيه اللغوية, من شرح غريب, وضبط مشكل, أو معانيه الفقهية من بيان علة الحكم وأقسامه, وتأويل الحديث عند الفريقين, ونحو ذلك, ولم أتعرض لذكر من أخرج الحديث من أصحاب الأصول الستة, إلا في مواضع يسيرة, لأن العلماء قد فرغوا منه, وأغنونا عنه, علما مني بأن (مسند الدارمي) إنما صنف لإسناد أحاديث (الموطأ) وفيه الكفاية لمن اكتفى, وفهمني الحق أن في ذلك فتحا لباب الخير, وجمعا لشمل الأمة المرحومة, وهزا لطبائع جامدة طالما ركدت, وإرشادا على طرق من العلم طالما تركت
وأرجو من فضل الله ورحمته أن يكون هذا الكتاب جامعا لخمسة أنواع من الأحكام, هي العمدة لمن أراد أن ينتهج مناهج الكرام, وما أخذ من نصوص الكتاب, وما أثبتته الأحاديث المستفيضة, أو القوية المروية في الاصول في كل باب, وما اتفق عليه جمهور الصحابة والتابعين, وما استنبطه مالك وتابعه جماعات من الفقهاء المحدثين