إذن، كون عكرمة من رجال البخاري لا يفيد البخاري ولا يفيد عكرمة إنّه ربّما يحتجّ لوثاقة عكرمة باعتماد البخاري عليه، ولكن الامر بالعكس، إنّ رواية البخاري عن عكرمة من أسباب جرحنا للبخاري، من أسباب عدم اعتمادنا على البخاري، ولو أنّ بعض الكتّاب المعاصرين ـ ولربّما يكون أيضًا من أصحابنا الاماميّة ـ يحاولون الدفاع عن عكرمة، فإنّهم في اشتباه.
وعلى كلّ حال، فالقول باختصاص الاية المباركة بأزواج النبي، هذا القول مردود، إذ لم يرو إلاّ عن عكرمة، وقد رفع عكرمة راية هذا القول، وجعل ينشره بين الناس، وطبيعي أن الذين يكونون على شاكلته سيتقبلون منه هذا القول.
الصفحة 21
الثاني:
وهو القول بأنّ المراد من أهل البيت في هذه الاية المباركة: أهل البيت ـ أي علي وفاطمة والحسنان ـ والازواج أيضًا.
هذا القول إذا رجعنا إلى التفاسير المعتبرة، لوجدنا مثل ابن الجوزي في كتابه زاد المسير في علم التفسير (1) ، الذي هو من التفاسير المشهورة، ينسب هذا القول إلى الضحّاك فقط، ولم نجد في كتاب ابن الجوزي وأمثاله من يعزو هذا القول إلى غير الضحّاك.
أترى أنّ قول الضحّاك وحده يعارض ما روته الصحاح والسنن والمسانيد عن ابن عباس، وعن جابر بن عبدالله، وعن زيد بن أرقم، وعن سعد بن أبي وقّاص، وعن أُمّ سلمة، وعن عائشة؟
وعجيب، إنّ هؤلاء يحاولون أن يذكروا لزوجات النبي فضيلة، والحال أنّ نفس الزوجات هنّ بأنفسهنّ ينفين هذا القول، فأُمّ سلمة وعائشة من جملة القائلين باختصاص الاية المباركة بأهل البيت، وكم من عجيب عندهم، وما أكثر العجب والعجيب عندهم، يحاولون الدفاع عن الصحابة أجمعين اكتعين كما يعبّر
(1) زاد المسير في علم التفسير 6/ 381.
الصفحة 22
السيد شرف الدين رحمة الله عليه: أجمعين أكتعين، والحال أنّ الصحابة أنفسهم لا يرون مثل هذا المقام لهم، نحن نقول بعدالتهم جميعًا وهم لا يعلمون بعدالتهم؟!
فأُمّ سلمة وعائشة تنفيان أن تكون الاية نازلة في حقّ أزواج النبي، ويأتي الضحّاك ويضيف إلى أهل البيت أزواج النبي، وكأنّه يريد الاصلاح بين الطرفين، وكأنّه يريد الجمع بين الحقّين.
لكنّي وجدت في الدر المنثور (1) حديثًا يرويه السيوطي عن عدّة من أكابر المحدّثين عن الضحّاك، يروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حديثًا يتنافى مع هذه النسبة إلى الضحّاك.
وأيضًا: الضحّاك الذي نسب إليه ابن الجوزي هذا القول في تفسيره، هذا الرجل أدرجه ابن الجوزي نفسه في كتاب الضعفاء، وذكره العقيلي في كتاب الضعفاء، وأورده الذهبي في المغني في الضعفاء، وعن يحيى بن سعيد القطّان الذي هو من كبار أئمّتهم في الجرح والتعديل أنّه كان يجرح هذا الرجل، وذكروا بترجمته أنّه بقي في بطن أُمّه مدّة سنتين.
وهذا ما أدري يكون فضيلة له أو يكون طعنًا له، وكم عندهم
(1) الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 5/ 199.
من هذا القبيل، يذكر عن مالك بن أنس أنّه بقي في بطن أُمّه أكثر من سنتين أو ثلاث سنوات على ما أتذكّر الان، وراجعوا كتاب وفيّات الاعيان لابن خلّكان وغيره.
وعلى كلّ حال، فإنّا نرجع إلى ما في الصحاح، والافضل لهم أن يرجعوا إلى ما في الصحاح، وهذا ما دعا مثل ابن تيميّة إلى أن يعترف بصحّة حديث نزول الاية في أهل البيت الاطهار واختصاصها بهم، وأمّا عكرمة والضحّاك وقول مثل هذين الرجلين المجروحين المطعونين، فإنّما يذكر لتضعيف استدلال الاماميّة بالاية المباركة، والذاكرون أنفسهم يعلمون بعدم صلاحيّة مثل هذه الاقوال للاستدلال
ـ [حبيب] ــــــــ [21 - 10 - 2005, 01:04 ص] ـ
جمع القرآن في عهد أبي بكر وعمر
تتضارب الاَخبار حول جمع القرآن في هذه المرحلة حتى تكاد أن تكون متكاذبة، وفيما يلي نورد بعضها لنبيّن مدى تناقضها ومخالفتها للاَدلة التي ذكرناها آنفًا:
(يُتْبَعُ)