بما سواه من القرآن في كلِّ صحيفةٍ ومصحفٍ أن يحرق. قال زيد: فقدت آية من الاَحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنتُ أسمع رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الاَنصاري: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) (الاحزاب33: 23) فألحقناها في سورتها في المصحف» (1) .
وهناك صور مختلفة وألفاظ شتّى لهذه الرواية، والملاحظ عليها جميعًا:
(1) صحيح البخاري 6: 315 > 9.
1 ـ كيف تفقد آية من سورة الاَحزاب، وقد اعتمد عين الصحف المودعة عند حفصة، والكاتب في الزمانين هو زيد بن ثابت؟ وقد كانت النسخة المعتمدة أصلًا كاملة إلاّ آخر براءة ـ كما تقدم ـ فهل كان الجمع الاَوّل فاقدًا لهذه الآية التي من الاَحزاب ولسواها؟ أم أنّهم لم يعتمدوا النسخة التي عند حفصة؟ وهل ليس ثمة مصاحف وحفّاظ لهذه الآية إلاّ رجل واحد؟! من هذه الرواية وسواها تسرب الشكّ وبرزت الشبهة للذين يحلو لهم القول بتحريف القرآن، وقد رأيت أنّ مستندهم ضعيفٌ متهافتٌ لا يمكن الاعتماد عليه، ولا أدري هل من قبيل المصادفة أنّ الآية تضيع في زمان أبي بكر وتوجد عند خزيمة بن ثابت، وتضيع غيرها في زمان عثمان وتوجد عند خزيمة أيضًا، فهل كان خزيمة معدودًا في الذين جمعوا القرآن، أو الذين أمر رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) بأخذ القرآن عنهم؟
2 ـ هذه الرواية ومثيلاتها مضطربةٌ في تعيين من تولى الكتابة لمصحف عثمان، وكذا الذي تولّى الاِملاء، فصريح بعض الروايات أنّ عثمان عيّن للكتابة زيدًا وابن الزبير وسعيدًا وعبدالرحمن، وصريح بعضها الآخر أنّه عيّن زيدًا للكتابة، وسعيدًا للاِملاء، وصريح بعضها أنّ المملي كان أُبي بن كعب، وأنّ سعيدًا كان يعرب ما كتبه زيد، وفي بعضها أنّه عيّن رجلًا من ثقيف للكتابة، وعين رجلًا من هذيل للاِملاء، وعن مجاهد: «أنّ المملي أُبي بن كعب، والكاتب زيد بن ثابت، والذي يعربه سعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحارث» (1) .
3 ـ الملاحظ في جميع هذه الروايات، وكذا في الرواية المذكورة آنفًا،
(1) أُنظر منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 2: 43 ـ 52.
أنّ زيد بن ثابت قد اعتمد رجلًا واحدًا في الشهادة على الآية، وهو أمر باطلٌ؛ لاَنّه مخالف لتواتر القرآن الثابت بالضرورة والاجماع بين المسلمين.
ونحن لا نريد التشكيك في أنّ عثمان قد أرسل عدّة مصاحف إلى الآفاق، وقد جعل فيها عين القرآن المتواتر بين المسلمين إلى اليوم، ولكنّنا نخالف كيفية الجمع التي وصفتها الاَخبار ونكذّبها؛ لاَنّها تطعن بضرورة التواتر القاطع، ولا يشكّ أحد أنّ القرآن كان مجموعًا ومكتوبًا على عهد رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ومدونًا قبل عهد عثمان بزمنٍ طويل، غاية مافي الاَمر أنّ عثمان قد جمع الناس على قراءةٍ واحدةٍ، وهي القراءة المتعارفة بينهم والمتواترة عن النبي (صلى الله عليه واله وسلم) ومنعهم من سائر القراءات الاَُخرى التي توافق بعض لغات العرب، وأحرق سائر المصاحف التي تخالف القراءة المتواترة، وكتب إلى الاَمصار أن يحرقوا ما عندهم منها، ونهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة.
قال الحارث المحاسبي: «المشهور عند الناس أنّ جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنّما حمل عثمان الناس على القراءة بوجهٍ واحدٍ، على اختيارٍ وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والانصار، لمّا خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات» (1) .
ولم ينتقد أحدٌ من المسلمين عثمان على جمعه المسلمين على قراءةٍ واحدةٍ؛ لاَنّ اختلاف القراءة يؤدّي إلى اختلاف بين المسلمين لا تحمد عقباه، وإلى تمزيق صفوفهم وتفريق وحدتهم وتكفير بعضهم بعضًا، غاية
(1) الاتقان 1: 211.
ما قيل فيه هو إحراقه بقية المصاحف حتى سمّوه: حَرّاق المصاحف، حيث أصرّ البعض على عدم تسليم مصاحفهم كابن مسعود.
(يُتْبَعُ)