فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31672 من 36878

كان عمله إنشاء سفينة، وإطلاقها في بحر شعوب العالم وفي مجرى التاريخ. . وكان حريصًا أن يكون ربانها بعده أهل بيته، الذين اصطفاهم الله وطهرهم، وأورثهم الكتاب. . ولكن إن لم تقبل الأمة بقيادتهم، فليكن الربان من يكون، حتى يبلغ الله أمره في هذه الأمة، ثم يبعث فيها المهدي الموعود عليه السلام.

والمسألة الثالثة: أن الجانب الذاتي في الرسول عليه السلام موجودٌ ومؤثرٌ دون شك، فهو مفكرٌ، نابغٌ، مخطط ٌ، فاعلٌ مختار. . ولكن الذاتية في عمله ضئيلة جدًا!

وما يقابل الذاتية هنا ليس الآلية، فإن إطاعة الرسول عليه السلام لما يوحى اليه إنما هو عن قناعةٍ، وإيمانٍ، وتَعَبُّد.

الرسول يجتهد في أمورٍ، شخصية أو عامة. . ولكن مساحة الأمور التي يسمح لنفسه أن يجتهد فيها ويعمل فيها برأيه، جزءٌ قليلٌ من مساحة عمله الواسع الكبير!

فمثله كمثل مهندسٍ أرسله رئيسه لتنفيذ مشروع كبير، وهو مقتنعٌ أن عليه أن يتصل دائمًا برئيسه، ليأخذ منه التعليمات الحكيمة الصحيحة، حتى لا يقع في أخطاء ضارة. . فهو يعمل ويفكر وينفذ، ولكنه على اتصالٍ دائم بمركزه، يأخذ منه مراحل الخارطة، ويستشيره في رفع إشكالات التنفيذ!

وهذا المثل لمهمة هذا المهندس، مصغرٌ آلاف المرات عن مهمة الرسول عليه السلام.

أما مركز هداية الرسول عليه السلام، فلا يقاس أحدٌ بالله سبحانه، ولا فعل أحدٍ بأفعاله.

وعلى هذا، يجب علينا في دراسة سيرة نبينا صلى الله عليه وآله أن ندخل في حسابنا هذه الأمور الثلاثة: أنه مبلغٌ ما أمر به. وأن عمله إنشاء أمة وإطلاقها في مسيرة التاريخ. وأن عمله دائمًا بتوجيه ربه، وليس من عند نفسه. .

والمتأمل في سيرته صلى الله عليه وآله يلمس هذه الحقيقة لمسًا، وأن الله تعالى كان يدير أمره من أول يومٍ الى آخر يوم، وكان هو يطيع وينفذ. . مسْلِمًا أمره الى ربه، متوكلًا عليه، راضيًا بقضائه وقدره. .

ولذا جاءت النتائج فوق مايتصور العقل البشري، وفوق ما يمكن لكل مهندسي المجتمعات، ومنشئي الأمم، ومؤسسي الحضارات. .

لقد استطاع الرسول صلى الله عليه وآله أن يحدث مدًا عقائديًا حضاريًا عالميًا في أقل مدة،

وأقل كلفةٍ من الخسائر البشرية والمادية. . فرغم شراسة الأعداء والحروب لم تبلغ قتلى الطرفين ألف قتيل!!

وما ذلك إلا بسبب أن إدارة الرسول صلى الله عليه وآله كانت من ربه عز وجل. .

لقد كان القرآن يتنزل عليه باستمرار من أول بعثته الى قرب وفاته، وكان جبرئيل عليه السلام يأتيه دائمًا، بآيات قرآنٍ أو وحيٍ غير القرآن، وأوامر وتوجيهات وأجوبة. . الخ.

وما أكثر الأمثلة في سيرته صلى الله عليه وآله على ذلك، فهي مليئةٌ بالتدخل الآلهي والرعاية في كبير أموره وصغيرها. . وهي تدل على أنه صلى الله عليه وآله ما كان يتصرف من عند نفسه إلا في تطبيق الخطوط العامة التي أوحيت اليه، أو تنفيذ الأوامر التفصيلية التي بلغه إياها جبرئيل عليه السلام. . وكثيرًا ما كان يتوقف عن العمل، ينتظر الوحي!

وقد ورد أنه صلى الله عليه وآله قال: أوتيت الكتاب ومثله معه، أي ما كان جبريل يأتيه به من السنن ـ الإيضاح>215، وأن جبريل كان ينزل عليه بالسنة كما ينزل بالقرآن ـ الدارمي: 1>145.

وكانت هذه التوجيهات كانت تشمل أموره الشخصية أيضًا صلى الله عليه وآله، من زواجه وطلاقه، ولباسه وطعامه، ونومه ويقظته، ووضوئه وسواكه، فضلًا عن عطائه ومنعه، وحبه وبغضه. . كما كانت شاملة لحالات حله وترحاله، ورضاه وغضبه. .

ـ روى في الكافي: 4>39،عن الإمام الصادق عليه السلام قصة شخص كافر جاء يحاج النبي صلى الله عليه وآله ويكذبه ويؤذيه ويتهدده، قال: (فغضب النبي صلى الله عليه وآله حتى التوى عرق الغضب بين عينيه، وتربد وجهه، وأطرق الى الأرض، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال: ربك يقرؤك السلام ويقول لك: هذا رجلٌ سخيٌّ يطعم الطعام. فسكن عن النبي صلى الله عليه وآله الغضب ورفع رأسه، وقال له:

لو لا أن جبرئيل أخبرني عن الله عز وجل أنك سخيٌّ تطعم الطعام، لشردت بك، وجعلتك حديثًا لمن خلفك!

فقال له الرجل: وإن ربك ليحب السخاء؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت