بشكل مكتوب، فرفضت ذلك بصراحةٍ ووقاحةٍ! وقد روى البخاري هذه الحادثة في ست أماكن من صحيحه!! وروت المصادر أن عمر افتخر في خلافته، بأنه بمساعدة قريش حال دون كتابة ذلك الكتاب!!
وغرضنا هنا أن نلفت الى أن ورود هذا التركيب في أكثر رواياتهم لخطب حجة الوداع للقرآن وحده دون العترة، يخالف الأسلوب النبوي، وتعبيره المبتكر في الوصية بهما معًا .. خاصةً وأن الترمذي رواهما معًا!
والنتيجة أن بشارة النبي صلى الله عليه وآله لأمته في حجة الوداع بالائمة الإثني عشر، ووصيته بالثقلين، وجعله عترته الطاهرين عليًا وفاطمة والحسن والحسين عدلًا للقرآن في وجوب الإتباع، أمرٌ ثابتٌ في مصادر جميع المسلمين .. لا ينكره إلا من يريد أن يتعصب لقبيلة قريش، في مقابل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله.
وأما المبدأ الثالث من هذا الأساس (إعلان علي وليًا للأمة من بعده) فهو صريح حديث الغدير، ولا يتسع موضوعنا لذكر أسانيده ونصوصه، ودلالتها على ذلك .. وقد تكفلت بذلك المصادر الحديثية والكلامية، ومن أقدمها كتاب (الولاية) للطبري السني، ومن أواخرها كتاب الغدير للعلامة الأميني.
وأما المبدأ الرابع من هذا الأساس (تأكيده صلى الله عليه وآله على أداء الفرائض وإطاعة ولاة الأمر) فقد تقدم ذكره في فقرات الأساس الثاني، وقد اعترف الفخر الرازي وغيره في تفسير قوله تعالى (أطيعوا وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) بأن غير المعصوم لا يمكن أن يأمرنا الله تعالى بطاعته بدون شرط، لأنه يكون بذلك أمرَ بالمعصية! فلا بد أن يكون أولوا الأمر في الآية معصومين .. وكذلك الحديث النبوي الشريف في حجة الوداع، وغيرها.
وأما المبدأ الخامس من هذا الأساس (تخليده صلى الله عليه وآله مكان تعاهد قريش على حصار بني هاشم) فقد رواه البخاري في صحيحه: 5>92 قال:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف، حيث تقاسموا على الكفر. انتهى.
ورواه في: 4>246 و: 8>194 ورواه في: 2>158، بنص أوضح، فقال:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر وهو بمنى: نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر. يعني بذلك المحصب، وذلك أن قريشًا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب، أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم!!. انتهى.
ورواه مسلم: 4>86، وأحمد: 2>322 و 237 و 263 و 353 و 540
ورواه البيهقي في سننه: 5>160، بتفاوت وقال (أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث الأوزاعي) وقد رواه مسلم عن الأوزاعي، ولكن البخاري لم يروه عنه، بل عن أبي هريرة، ولم نجد في طريقه الأوزاعي، فهو اشتباهٌ من البيهقي، أو سقطٌ من نسخة البخاري التي بأيدينا.
وفي رواية البيهقي عن الأوزاعي زيادة (أن لا يناكحوهم، ولا يكون بينهم شيء حتى يسلموا اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
كما أن في رواياتهم تفاوتًا في وقت إعلان النبي صلى الله عليه وآله للمسلمين عن مكان نزوله في منى، فرواية البخاري تذكر أنه أعلن ذلك في منى بعد عرفات، بينما تذكر رواية الطبراني أنه أعلن ذلك في مكة قبل توجهه الى الحج .. وهذا أقرب الى اهتمامه صلى الله عليه وآله بالموضوع، وحرصه على تركيزه في أذهان المسلمين، خاصةً أنه نزل في هذا المنزل، وبات فيه ليلة عرفات، وهو في طريقه اليها، وقد تقدم ذلك في رواية الدارمي، ثم نزل فيه طيلة أيام التشريق! قال في مجمع الزوائد: 3>250:
عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل يوم التروية بيوم: منزلنا غدًا إن شاء الله بالخيف الأيمن، حيث استقسم المشركون. رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات. انتهى.
والمسألة المهمة هنا: هي هدف الرسول أن يذكِّر قريشًا والمسلمين بحادثةٍ عظيمة وقعت فيهذا المكان، قبل نحو أربع عشرة سنة من ذلك اليوم فقط! هذه الحادثة التي تريد قريش أن تدفنها وأن ينساها الناس، ويريد الله ورسوله أن تخلد في ذاكرة المسلمين والتاريخ، وكلها عارٌ على قريش، وفخرٌ للنبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم .. وهي صورةٌ عن جهود فراعنة قريش، حيث استطاعوا أن يحققو إجماع قبائلهم، ويقنعوا قبائل كنانة القريبة من الحرم بتنفيذ مقاطعة تامة على بني هاشم!!
وقد نفذوها لسنين طويلة وضيقوا عليهم اقتصاديًا واجتماعيًا تضييقًا تامًا، حتى يتراجع محمد عن نبوته، أو يسلمه بنو هاشم الى قريش ليقتلوه!!
وقد اعتبر الفراعنة يومذاك أنهم نجحوا نجاحًا كبيرًا وحققوا إجماع قريش وكنانة على هذا الهدف الشيطاني، وكان مؤتمرهم لذلك في المحصب في خيف بني كنانة حيث تقاسموا باللات والعزى على هدفهم، وبدؤوا من اليوم الثاني بتنفيذه، واستمر حصارهم ومقاطتهم نحو أربع سنوات الى قبيل هجرته صلى الله عليه وآله من مكة!!
وقد تضامن بنو هاشم مع النبي صلى الله عليه وآله مسلمهم وكافرهم وتحملوا سنوات الحصار والفقر والأذى والإهانة، في شعب أبي طالب، ولم يشاركهم في ذلك أحد من المسلمين .. حتى فرج الله عنهم بمعجزة!
لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يوعي المسلمين الجدد على تاريخ الإسلام، وتكاليف الوحي، ليعرفوا قيمته .. ويوعيهم على معدن الإسلام ومعدن الكفر ليعرفوهما!
كما أراد أن يبعث بذلك رسالةً الى بقية الفراعنة، الذين مازالوا أحياء من زعماء قريش، بأنهم قد تحملوا وزر هذا الكفر والعار، ثم ارتكبوا بعده ما هو أعظم منه، ولم يتراجعوا إلا عندما جمعهم في فتح مكة تحت سيوف الأنصار وسيوف بني هاشم، فأعلنوا إسلامهم خوفًا من القتل .. وها هم اليوم يخططون لوراثة دولة الإسلام التي بناها الله تعالى ورسوله، وهم كارهون!!
لقد أهلك الله تعالى عددًا قليلًا من أبطال ذلك الحلف الشيطاني، من سادة
(يُتْبَعُ)