قال: فقام رجلٌ وقال: يا أبا الحسن ما لهن من تأويل؟ فقال: الله ورسوله أعلم. فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره، فقال رسول الله: ويلٌ لقريشٍ من تأويلهن، ثلاث مرات! ثم قال: يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء، ثم أنا وأنت مولى المؤمنين، وأنا وأنت أبوا المؤمنين. انتهى.
البحث الرابع حاجة الأنبياء عليهم السلام في تبليغ رسالاتهم الى حماية الناس
ارتكب المنظرون للخلافة القرشية من المحدثين والمفسرين، خطأين أساسيين في تفسير آية التبليغ، فشوهوا بذلك معناها:
الخطأ الأول، في مفهوم تبليغ الأنبياء عليهم السلام ومنهم نبينا صلى الله عليه وآله.
والخطأ الثاني، محاولتهم إخفاء واقع قريش بعد الفتح، وإبعاد الآية عنها، وأن يصوروا للمسلمين أن قريشًا المشركة منجم الفراعنة وأتباعهم، قد تحولت بين عشية وضحاها، الى قبيلة مسلمةٍ مؤمنةٍ تقيةٍ، تقود الناس بالإسلام والهدى!
معنى التبليغ في القرآن
مفهوم التبليغ في القرآن مفهومٌ بسيط، فتبليغ الرسل يعني بيانهم الرسالة الإلهية للناس .. ثم الناس بعد ذلك مختارون في أن يقبلوا، أو يتولوا، وحسابهم على الله تعالى، وليس على أنبيائه!
ومن هذا الأساس العميق تتفرع عدة مبادئ:
أولًا: أن النبي يحتاج الى ضمان حرية التعبير عن الرأي، لكي يتمكن من إيصال رسالة ربه الى العباد وإبلاغهم إياها. وقد كان ذلك مطلب الأنبياء عليهم السلام الأول من أممهم.
ثانيًا: مهمة الأنبياء عليهم السلام هي التبليغ فقط (الإبلاغ) حتى أن الجهاد لم يكن مفروضًا على أحد من الأنبياء قبل ابراهيم عليهم السلام وقد فرضه الله تعالى عليه وعلى الأنبياء من ذريته (وكل الأنبياء والأوصياء بعده من ذريته) من أجل إزاحة العقبات المانعة من التبليغ، أو رد اعتداءات الكفار على الذين اختاروا الدين الإلهي وإقامة حياتهم على أساسه.
ثالثًا: لا إكراه في الدين، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. فينبغي أن يبقى قانون الهداية والإضلال فعالًا، والقدرة على عمل الخير والشر متوفرة.
رابعًا: الهدف من الإبلاغ هو إقامة الحجة لله على عباده، واضحة كاملة تامة .. حتى لا يقولوا يوم القيامة: لم يقل النبي لنا، لم يبلغنا ذلك، لم نعرف ذلك، وكنا عنه غافلين. فإقامة الحجة في الدين الإلهي محورٌ أصلي دائم في عمل الأنبياء عليهم السلام سواء على مستوى الكافرين، أو على مستوى أممهم المؤمنين بهم.
فالمهم عند النبي عليه السلام أن يوصل العقيدة والأحكام الى الناس .. أن يقول لهم، ويبين لهم، ويوضح لهم ويفهمهم .. وبذلك يقيم الحجة لربه عز وجل .. وبذلك يؤدي ما عليه، ويسقط المسؤولية عن عاتقه.
أما استجابتهم أو تكذيبهم .. وأما عملهم وسلوكهم، فهو شأنهم وليس النبي مسؤولًا عنه، بل هو من اختصاص الله تعالى.
قال الله تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. الأنعام ـ 149
وأدلة هذه الحقائق التي ذكرناها كثيرة، من آيات القرآن وأحاديث السنة، نشير منها الى ماذكره الله تعالى من قول نوح عليه السلام: أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وأعلم من الله ما لا تعلمون. الأعراف ـ 62
وقول شعيب عليه السلام: فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين. الأعراف ـ 93
وقول هود عليه السلام: فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قومًا غيركم ولا تضرونه شيئًا إن ربي على كل شيء حفيظ. هود ـ 57
وقوله تعالى عن مهمة جميع الرسل الذين بعثهم عليهم السلام:
فهل على الرسل إلا البلاغ المبين. النحل ـ 35
قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين. يس 16 ـ 17
(يُتْبَعُ)