فهو أولًا، كلام زعيمٍ لا يشك أحدٌ في ولائه لقريش، لأنه حمل راية قريش وأحقيتها بخلافة النبي صلى الله عليه وآله في مقابل الأنصار وبني هاشم، وخاض صراعاتٍ شديدة، حتى خلَّص الخلافة من عترة النبي صلى الله عليه وآله وقدمها على طبقٍ الى قبائل قريش!
وهو ثانيًا، شهادةٌ منه بحق المهاجرين القرشيين بأنهم أناسٌ مضلون، يجب أن يحبسوا في المدينة حتى لا يضلوا المسلمين ويخرجوهم من الإسلام!!
وإذا كان حال القرشيين المسلمين المهاجرين هذا، فما هو حال الطلقاء؟!
وهو ثالثًا، يتضمن تصورًا لانتهاء الإسلام في مدةٍ قليلة، وكأن الإسلام دورةٌ سياسية تمر على الجزيرة والمناطق التي امتد اليها، ثم تنتهي!
وقد ثبت عن الخليفة عمر أنه كان يرى أنه سوف لا تمر سنين طويلة حتى تأخذ الأمم الأخرى مناطق المسلمين بما فيها مكة، ويهجرها أهلها وتخرب!!
ولعله اقتنع بهذا الرأي من كعب الأحبار .. وهو بحثٌ خارجٌ عن موضوعنا.
الفصل الثاني
آية الأمر بالتبليغ
نص الآية مع سياقها
* وقالت اليهود يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا، وألقينا بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا، والله لا يحب المفسدين.
* ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم. ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم. منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون.
* يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لا يهدي القوم الكافرين.
* قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم، وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا، فلا تأس على القوم الكافرين.
* إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
* لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلًا، كلما جاءهم رسولٌ بما لا تهوى أنفسهم فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون. المائدة 64 ـ 70
مكان الآية في القرآن
إذا قلنا بحجية السياق القرآني، فلا بد أن نأخذ في تفسيرالآية أمرين:
الأول، أنها من سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت من القرآن.
والثاني، أنها وقعت في وسط آيات تتحدث عن أهل الكتاب.
والنتيجة: أن الآية تقول للنبي صلى الله عليه وآله: بلغ ولا تخف أهل الكتاب، فنحن متكفلون بعصمتك منهم، فلن يستطيعوا أن يضروك.
ولكن هذا التفسير لا يقبله علماء المسلمين، لا السنة منهم ولا الشيعة، لأنه صلى الله عليه وآله لم يبلغ اليهود والنصارى في الشهرين اللذين عاشهما بعد الآية شيئًا إضافيًا بارزًا ولأن خطرهم عليه عند نزولها كان قد زال، وقد خضعوا لحكمه.
وبذلك ينفتح البحث للسؤال عن مكان الآية، وهل أن هذا مكانها من الأصل؟ أم أنها وضعت هنا باجتهاد أحد الصحابة؟
نحن لا نقبل القول بوقوع تحريف في كتاب الله تعالى، معاذ الله، لكن ورد أن الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وآله قد اجتهدوا في وضع آياتٍ في سور من القرآن .. والظاهر أن وضع هذه الآية هنا من اجتهاداتهم، أو من المصادفات.
أقوال العلماء السنيين
اختلف المفسرون والفقهاء السنيون في سبب نزول الآية وفي تفسيرها، على أقوال عديدة، أهمها سبعة أقوال، أحدها موافقٌ لتفسير أهل البيت عليهم السلام، وستة مخالفة .. ونورد فيما يلي الأقوال المخالفة مع مناقشاتها:
القول الأول
أنها نزلت في أول البعثة، حيث خاف النبي صلى الله عليه وآله على نفسه فامتنع عن تبليغ الاسلام، أو تباطأ! فهدده الله تعالى وطمأنه .. فقام النبي صلى الله عليه وآله بالتبليغ!
وهذا يعني أن الآية نزلت قبل 23 سنة من نزول سورة المائدة!
(يُتْبَعُ)