وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي ذر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل، حتى نزلت آية العصمة: والله يعصمك من الناس. انتهى.
وقد أخذ بهذا القول كثير من المفسرين والمؤلفين في السيرة فقد ذكره الزمخشري في الكشاف: 1>659، وكأنه قبله، وكذلك فعل الرازي في تفسيره: 6 جزء 12>50! مع أنهما
قالا كما رأيت بنزول الآية في مكة! وبذلك يكونا حملا حديث عائشة على أول البعثة، كما حملا قول الحسن البصري وأمثاله!
ـ وقد أخذ بهذا القول أيضًا السهيلي في الروض الأنف: 2>290، والقسطلاني في إرشاد الساري: 5>86، وابن العربي في شرح الترمذي: 6 جزء 11 >174، والعيني في عمدة القاري7 جزء 14>95، وابن جزي في التسهيل: 1 >244، والنويري في نهاية الإرب: 8 جزء 16>196، و 19 جزء 18>342، والنيسابوري في الوسيط: 2>209، والدميري في حياة الحيوان: 1>79 .. وغيرهم، وغيرهم.
ـ وممن أخذ بهذا القول صاحب السيرة الحلبية: 3>327 وقد اغتنم فرصة الآية وارتباطها بحراسة النبي صلى الله عليه وآله لإثبات فضيلة لأبي بكر بن أبي قحافة فقال: حراسه صلى الله عليه وآله قبل أن ينزل عليه قوله تعالى: والله يعصمك من الناس .. .. سعد بن معاذ حرسه ليلة يوم بدر، وفي ذلك اليوم لم يحرسه إلا أبو بكر شاهرًا سيفه حين نام بالعريش. انتهى.
وبذلك ناقض صاحب الحلبية نفسه وجاء بدليل على ضد مراده، لأن إلغاء الحراسة إذا كان قبل الهجرة، فلم تبق حاجة لحراسة أبي بكر وغيره في بدر!
على أن الظاهر أنه لم يكن للمسلمين عريشٌ في بدر! وقد روى الحاكم رواية وصححها على شرط مسلم، تذكر أن ثلث المسلمين حرسوا النبي صلى الله عليه وآله في بدر، وهو أمر معقول، لأن المسلمين نزلوا بالعدوة القصوى وهي منطقة مكشوفة. قال الحاكم: 2>326: عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال سألته عن الأنفال، قال: فينا يوم بدر نزلت، كان الناس على ثلاث منازل، ثلثٌ يقاتل العدو، وثلث يجمع المتاع ويأخذ الأسارى وثلث عند الخيمة يحرس رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما جمع المتاع اختلفوا فيه .. .. فجعله الى رسول الله صلى الله عليه وآله فقسمه على السواء. انتهى.
ويدل على بطلان هذا القول: أولًا، ما تقدم في القول الأول.
ثانيًا: نفس روايات القول الثالث وغيره، التي تنص على أن إلغاء الحراسة المزعوم حصل في المدينة، وليس في مكة.
ثالثًا، أن عمدة رواياته رواية القبة عن عائشة، ورواية حراسة العباس .. أما الروايات الأخرى فكلها غير مسندة، وغرض بعضها تقليل دور أبي طالب في نصرة النبي صلى الله عليه وآله كما هو واضحٌ، وأنه صلى الله عليه وآله كان مستغنيًا في مكة عن حراسة أبي طالب.
كما يلاحظ في الرواية الأولى أنها تريد إثبات فضيلة للعباس بأنه كان حارس النبي صلى الله عليه وآله في مكة بدل أبي طالب، وأنه هو الذي عصم الله به رسوله من الناس!
وقد كان دور العباس قبل الهجرة دورًا عاديًا مثل بقية بني هاشم الذين تضامنوا مع النبي صلى الله عليه وآله وتحملوا معه حصار الشعب، ولم يعرف عنهم أنهم أسلموا، ولم يهاجروا معه الى المدينة مثل علي وحمزة.
ومن المعروف أن العباس قد أسر في بدر وأسلم عند فكاك الأسرى.
هذا مضافًا الى تضعيف الهيثمي وغيره لهذه الرواية، وما تشاهده من ضعف متنها وركته.
ثالثًا: ما سيأتي في إثبات استمرار حراسته صلى الله عليه وآله ونفي كل مايدل على إلغائها ومن ذلك رواية القبة، وسيأتي قول الألباني بعدم صحة نسبتها الى عائشة.
القول الثالث
أنها نزلت في المدينة بدون تاريخ! فقد روى السيوطي عدة روايات تربط نزول الآية بإلغاء النبي صلى الله عليه وآله للحراسة، وليس فيها أن ذلك كان في مكة أو في المدينة، ولكن يفهم من نص بعضها أو رواة بعضها، أن نزولها كان في المدينة.
ـ قال في الدر المنثور: 2>298 ـ 299:
وأخرج الطبراني وابن مردوية عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، حتى نزلت: والله يعصمك من الناس فترك الحرس.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: يا أيها الرسول
(يُتْبَعُ)