فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31766 من 36878

ورحل النبي صلى الله عليه وآله من مكة وهو ناوٍ أن يكون أول عمل يقوم به في المدينة إعلان ولاية عترته، كما أمره ربه تعالى.

لكن في اليوم الثالث من مسيره، عندما وصل الى كراع الغميم، وهو كما في مراصد الإطلاع: موضع بين مكة والمدينة، أمام عسفان بثمانية أميال .. جاءه جبرئيل عليه السلام لخمس ساعات مضت من النهار، وقال له: يامحمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك (ياأيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس، إن الله لايهدي القوم الكافرين) .

فخاف النبي صلى الله عليه وآله وخشع لربه، وتَسَمَّرَ في مكانه، وأصدر أمره الى المسلمين بالتوقف، وكان أولهم قد وصل الى مشارف الجحفة، وكانت الجحفة بلدةً عامرةً على بعد ميلين أو أقل من كراع الغميم، ولكن النبي صلى الله عليه وآله أراد تنفيذ الأمر الإلَهي المشدد، فورًا في المكان الذي نزل فيه الوحي .. !

قال صلى الله عليه وآله للناس: أنيخوا ناقتي فوالله ما أبرح من هذا المكان حتى أبلغ رسالة ربي .. وأمرهم أن يردوا من تقدم من المسلمين اليه، ويوقفوا من تأخر منهم حين يصلون اليه ..

ونزل صلى الله عليه وآله عن ناقته، وكان جبرئيل الى جانبه، ينظر اليه نظرة الرضا، وهو يراه يرتجف من خشية ربه، وعيناه تدمعان خشوعًا وهو يقول: تهديدٌ .. ووعدٌ ووعيدٌ .. لأمضين في أمر الله، فإن يتهموني ويكذبوني فهو أهون علي من أن يعاقبنى العقوبة الموجعة في الدنيا والآخرة!

وقبل أن يفارقه جبرئيل أشار اليه فنظر النبي صلى الله عليه وآله فإذا على يمينه دوحة أشجار، فودع جبرئيل ومال اليها، وحطَّ رحال النبوة عند غدير خُمٍّ.

قال بعض المسلمين: فبينا نحن كذلك، إذ سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ينادي: أيها الناس أجيبوا داعي الله .. فأتيناه مسرعين في شدة الحر، فإذا هو واضعٌ بعض ثوبه على رأسه.

ونادى منادي النبي صلى الله عليه وآله في الناس بالصلاة جامعة، ووقت الصلاة لم يحن بعد ولكن حانت قبلها (صلاة) أخرى لا بد من أدائها قبل صلاة الظهر.

إنها فريضة ولاية عترته الطاهرة، ولا بد أن يبلغها عن ربه الى المسلمين مهما قال فيه قائلون، وقال فيهم قائلون .. فقد شدد عليه ربه في ذلك: وأفهمه أن مسألة عترته ليست مسألةً شخصيةً تخصه .. وأنك إن كنت تخشى الناس، فالله أحق أن تخشاه وسيعصمك منهم، فاصدع بما تؤمر!!

ونزل المسلمون حول نبيهم صلى الله عليه وآله، وكان ذلك اليوم قائظًا شديد الحر، فأمرهم أن يكسحوا تحت الأشجار لتكون مكانًا لخطبة الولاية، ثم للصلاة في ذلك الهجير، وأمرهم أن ينصبوا له أحجارًا كهيئة المنبر، ليشرف على الناس ..

ورتب المسلمون المكان والمنبر، ووضعوا على أحجاره حدائج الإبل، فصار منصةً أكثر ارتفاعًا، وحسنًا ..

وورد المسلمون ماء الغدير فشربوا منه، واستقوا، وتوضؤوا .. وتجمعوا لاستماع الخطبة قبل الصلاة، ولم يتسع لهم المكان تحت دوحة الغدير، وكانت ستَّ أشجارٍ كبيرة، فجلس كثير منهم في الشمس، أو استظل بظل ناقته ..

عرف الجميع أن أمرًا قد حدث، وأن النبي صلى الله عليه وآله سيخطب .. فقد نزل عليه وحيٌ أو حدث أمرٌ مهمٌ أوجب أن يوقفهم في هذا الهجير، ولا يصبر عليهم حتى يصلوا الى مدينة الجحفة العامرة، التي تبعد عنهم ميلين فقط!

كان مجموع المشاركين في حجة الوداع من مئة ألف الى مئة وعشرين ألفًا كما ذكرت الروايات، ولكن هذا العدد كان في عرفات ومنى .. أما بعد تمام الحج فقد توزعوا، فمنهم من أهل مكة وقد رجعوا اليها، ومنهم بلادهم عن طريق الطائف فسلكوا طريقها، وآخرون بلادهم عن طريق جدة وما اليها ..

والذين هم مع الرسول صلى الله عليه وآله عن طريق الجحفة والمدينة ألوفٌ كثيرةٌ أيضًا .. نحو عشرة آلاف .. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام مؤرخًا تضييع قريش لحادثة الغدير:

العجب مما لقي علي بن أبي طالب! إنه كان له عشرةُ آلافِ شاهدٍ ولم يقدر على أخذ حقه، والرجل يأخذ حقه بشاهدين!! الوسائل: 18>174

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت