وَمِنْ الْمَشْهُورِ عَنْ السَّلَفِ: أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَزِيزَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرَ مَخْلُوقٍ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. وَأَمَّا"الْجَهْمِيَّة"وَ"الْمُعْتَزِلَةُ"فَيَقُولُونَ: لَيْسَ لَهُ كَلَامٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ؛ بَلْ كَلَامُهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ مَخْلُوقٌ عَنْهُ وَ"الْمُعْتَزِلَةُ"يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ: بِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ؛ وَلَكِنَّ مُرَادَهُمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَخْلُقُ كَلَامًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ. وَ"الْكُلَّابِيَة والسالمية"يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ بَلْ كَلَامُهُ قَائِمٌ بِذَاتِهِ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ مِثْلُ حَيَاتِهِ؛ وَهُمْ يَقُولُونَ: الْكَلَامُ صِفَةُ ذَاتٍ؛ لَا صِفَةُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ وَأُولَئِكَ يَقُولُونَ: هُوَ صِفَةُ فِعْلٍ؛ لَكِنَّ الْفِعْلَ عِنْدَهُمْ: هُوَ الْمَفْعُولُ الْمَخْلُوقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ. وَأَمَّا"السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ"وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ كالهشامية والكَرَّامِيَة وَأَصْحَابِ أَبِي مُعَاذٍ التومني وَزُهَيْرِ اليامي وَطَوَائِفَ غَيْرِ هَؤُلَاءِ: يَقُولُونَ: إنَّهُ"صِفَةُ ذَاتٍ وَفِعْلٍ"هُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَلَامًا قَائِمًا بِذَاتِهِ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنْ صِفَةِ الْكَلَامِ لِكُلِّ مُتَكَلِّمٍ فَكُلُّ مَنْ وُصِفَ بِالْكَلَامِ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِهِمْ: فَكَلَامُهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِأَنْفُسِهِمْ وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِمَشِيئَتِهِمْ وَقُدْرَتِهِمْ. وَالْكَلَامُ صِفَةُ كَمَالٍ؛ لَا صِفَةُ نَقْصٍ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِمَشِيئَتِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ؛ فَكَيْفَ يَتَّصِفُ الْمَخْلُوقُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ دُونَ الْخَالِقِ