وَ"الْأَشْعَرِيُّ"اُبْتُلِيَ بِطَائِفَتَيْنِ: طَائِفَةٌ تُبْغِضُهُ وَطَائِفَةٌ تُحِبُّهُ كُلٌّ مِنْهُمَا يَكْذِبُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: إنَّمَا صَنَّفَ هَذِهِ الْكُتُبَ تَقِيَّةً وَإِظْهَارًا لِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى الرَّجُلِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَهُ قَوْلٌ بَاطِنٌ يُخَالِفُ الْأَقْوَالَ الَّتِي أَظْهَرَهَا وَلَا نَقَلَ أَحَدٌ مِنْ خَوَاصِّ أَصْحَابِهِ وَلَا غَيْرُهُمْ عَنْهُ مَا يُنَاقِضُ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْمَوْجُودَةَ فِي مُصَنَّفَاتِهِ. فَدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ كَانَ يُبْطِنُ خِلَافَ مَا يُظْهِرُ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ شَرْعًا وَعَقْلًا؛ بَلْ مَنْ تَدَبَّرَ كَلَامَهُ فِي هَذَا الْبَابِ - فِي مَوَاضِعَ - تَبَيَّنَ لَهُ قَطْعًا أَنَّهُ كَانَ يَنْصُرُ مَا أَظْهَرَهُ؛ وَلَكِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيُخَالِفُونَهُ فِي إثْبَاتِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ يَقْصِدُونَ نَفْيَ ذَلِكَ عَنْهُ لِئَلَّا يُقَالُ: إنَّهُمْ خَالَفُوهُ مَعَ كَوْنِ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ السُّنَّةِ قَدْ اقْتَدَوْا فِيهِ بِحُجَّتِهِ الَّتِي عَلَى ذِكْرِهَا يُعَوِّلُونَ وَعَلَيْهَا يَعْتَمِدُونَ. وَ"الْفَرِيقُ الْآخَرُ": دَفَعُوا عَنْهُ لِكَوْنِهِمْ رَأَوْا الْمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ لَا يُظْهِرُونَ إلَّا خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ وَلِكَوْنِهِمْ اتَّهَمُوهُ بِالتَّقِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ انْتَصَرَ لِلْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّتِي خَالَفَهُمْ فِيهَا الْمُعْتَزِلَةُ؛ كَمَسْأَلَةِ"الرُّؤْيَةِ"وَ"الْكَلَامِ"وَإِثْبَاتِ"الصِّفَاتِ"وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لَكِنْ كَانَتْ خِبْرَتُهُ بِالْكَلَامِ خِبْرَةٌ مُفَصَّلَةٌ وَخِبْرَتُهُ بِالسُّنَّةِ خِبْرَةٌ مُجْمَلَةٌ؛ فَلِذَلِكَ وَافَقَ الْمُعْتَزِلَةَ فِي بَعْضِ أُصُولِهِمْ الَّتِي الْتَزَمُوا لِأَجْلِهَا خِلَافَ السُّنَّةِ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْأُصُولِ وَبَيْنَ الِانْتِصَارِ