فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 408

الأماكن التي تعتمد على أساليب العمل الذكي كوكالة السي آي أيه، وكما هو معروف أن عملاء السي آي أيه الثمانية الذين قتلوا في وسط قاعدتهم كانوا من ذوي الرتب العالية بل إتضح أن من بينهم مديرة القاعدة نفسها! ومن هنا نعرف أن أبا دجانة كان يتعامل مع نخبة من أذكى أذكياء العقول الاستخباراتية في أمريكا! وهذه النخبة من الأذكياء مع ما يلحق بها من أجهزة وتقنيات وطائرات بدون طيار وإدارات دعم وعلماء نفس وضباط ارتباط وغيره، انقادت بشكل تلقائي وطبيعي لكل الإشارات التي كانت تصدر من عميلهم المفترض"د. همام"، وهذا يدل على أن هناك ذكاء من نوع آخر ... من نوع لا يستطيع مقياس ركسلر ولا غيره سبر أغواره، استطاع التعامل بحذر مع كل تلك العقول وعلى مدى سنة كاملة دون أن تلوح لائحة شك حوله ودون أن يفقد أهميته لديهم لأنه كان يزودهم بالمعلومات المطاطية، وأقصد بالمطاطية التي يفرح بها الآخرون وفي نفس الوقت لا تضر المجاهدين! حتى وصل إلى درجة [عميل مهم جدا] وهي تقسيمة خاصة بالعملاء، فالموساد مثلا يقسم جواسيسه إلى درجات ويتعامل معهم بحسب درجة أهمية كل منهم، وهذه المكانة الهامة التي وصل إليها أبو دجانة هي التي دعت قيادات السي آي أيه إلى السفر للقائه فور طلبه ذلك، وهذه المكانة هي التي خطط لها أبو دجانة وفريق العمل الاستخباراتي الخاص به، وهي التي حيرت الرأي العام الأمريكي فأخذ يسأل بحرقة وغضب: كيف استطاع خداعهم؟ فأجاب السي آي أيه: لقد استحوذ على ثقتهم!!

الحقيقة أن أبا دجانة الخراساني لم يفجر حزامه الناسف في أجساد عملاء السي آي أيه فقط بل فجره في أحلام الأمريكيين، وفخرهم واعتزازهم بهذه الوكالة التي طالما أذلت رقات الدول وأخضعتها للسيادة الأمريكية التي وقفت خلف اغتيال أكثر من عشرين زعيما في العالم، والتي دأبت على تنظيم الإنقلابات العسكرية في مختلف الدول، والتي ما فتئت تزرع بذور الحروب الأهلية في شرق الأرض وغربها، والتي تعتبر بحق اليد الخفية الضاربة للولايات المتحدة الأمريكية، وها هي تشتاط غضبا وتنشوي خجلا بعد أن تملطشت وتلطشت وترطشت على يد من بنت أحلامها عليه! إن أقسى الضربات التي يمكن أن توجه لأي دولة عظمى ليست التي تعرضها للخسائر الكبيرة في الأرواح والممتلكات فقط بل هي التي تجعلها تفقد الثقة في نفسها كدولة! لأن خسائر الأرواح والممتلكات قد تعوض وتنسى مع مرور الوقت، ويمكن للناس أن يتفهموا ظروف الحرب التي تتطلب مثل ذلك الثمن أو تلك التضحيات، ولكن عندما تأتي الضربة على القفا لتشعرك بأنك غبي وأحمق ومغفل فهذه يصعب على الناس تقبلها أولا ويصعب على الدولة اجتيازها ثانيا.

أزمة ثقة

الحقيقة أن آثار غزوة أبي دجانة الخراساني لم تتوقف على هز مكانة وكالة الاستخبارات الأمريكية وزعزعة ثقة الأمريكيين فيها فحسب، بل تعدت إلى خلخلت ثقة الوكالة في عملاءها وجواسيسها، بل وفي جدوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت