الحقيقة أن تلامذة (كسنجر) قد تعلموا من أستاذهم كل أساليب وألاعيب السياسة التي تمكنهم من ترويض الخصوم أو قلب الهزيمة إلى انتصار أو الخروج بأقل الخسائر في الظروف الحرجة ولكن أستاذهم اليهودي لم يذكر لهم في كتابه الشهير (الدبلوماسية) أي شيء يشرح لهم عن كيفية التعامل مع زعماء من أمثال الملا عمر وأسامة بن لادن وجلال الدين حقاني!
إن الحرب التي اختار الملا عمر الدخول فيها عندما رفض تسليم أسامة بن لادن لم تكن لتنتهي من أجل حكم ذاتي أو حكومة مشتركة أو رفع اسم الملاعمر من القائمة السوداء أو أي شيء آخر لا يسمن ولا يغني في ميزان أولئك الرجال ولكن المشكلة في عقول البنتاغون التي لا تعي ذلك وأنا شخصيا أعذرهم لأنهم لم يألفوا التعامل إلا من القذافي والبشير وبن جاسم والمتردية والنطيحة وما ذبح على النصب!
من أجل ذلك نرى هذا التصميم الكبير والعزم الأكيد لدى المجاهدين وقياداتهم في جعل أفغانستان جحيما للروم وفضيحة مدوية في تاريخ الحروب الصليبية، فالمسألة مسألة تاريخ ودروس للأجيال القادمة التي لن تتذكر من تاريخها سوى يوسف بن تاشفين وصلاح الدين وغيرهم من الأبطال المنتصرين الذين لم يرضوا بفتات موائد المفاوضات بدلا عن إرجاع كرامة أمتهم، ومن أجل هذه الحقيقة المروعة عكف استراتيجوا البيت الأبيض على حشد تكتيكات متنوعة لتثبيت الموقف وهي سياسة حقيرة تنم عن دنائة كبيرة في تعامل الأمريكان مع حلفائهم، فسياسة (تثبيت الموقف) تهدف إلى إبقاء الأمور على وضعها الحالي حتى يحين موعد الإنسحاب ولذلك خرج الإعلان الكبير عن كميات المعادن الضخمة التي اكتشفها فريق أبحاث أمريكي في أفغانستان مؤخرا وتضم معادن النحاس والحديد والذهب والنيوبيوم والكوبالت والليثيوم وهذه الثروات التي تقدر بتريليون دولار كفيلة بجعل أفغانستان أحد أوائل المصدرين للمعادن بل إن صحيفة النيويورك تايمز نقلت عن مذكرة داخلية لوزارة الدفاع الأمريكية - البنتاغون- أن أفغانستان يمكن أن تصبح في مجال التعدين مثل السعودية في قطاع النفط، والغرض من هذا الإعلان بهذا الشكل وفي هذا التوقيت هو أن يقوم كبار تجار صناعات التعدين في بلدان النيتو بالضغط على حكوماتهم للفوز ببعض عقود استثمار تلك المعادن والتي سيكون شرط توقيع العقود فيها هو بقاء قواتهم في أفغانستان! وهذا المشهد يذكرني ببداية الحرب الصليبية الأولى عندما حوصرت جيوش الصليب في أنطاكية وخارت قواهم وانهارت معنوياتهم فزعم أحد القساوسة حينها أنه رأى المسيح عليه السلام في المنام وأنه قال له إن الحربة التي قتل بها مدفونة تحت البرج الفلاني وإن أي جيش صليبي يقاتل وفي مقدمته هذه الحربة فسينتصر! فذهبت جموع الصليبين إلى ذلك المكان وحفروا ووجدوا الحربة مدفونة هناك بالفعل! فارتفعت روحهم المعنوية كثيرا جراء هذه الحيلة!! وخرج القائد الصليبي ريمون الرابع وفي مقدمته معدن الليثيوم أقصد الحربة وأكملت بذلك الحملة الصليبية طريقها إلى القدس!