فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 408

حتى اليومين الأخيرين عندما تفجرت الأوضاع في العاصمة، وبإستثناء النقابات العمالية التي شاركت بالإضرابات في الأسبوع الأخير لم تكن هناك مشاركة فاعلة من الأحزاب السياسية وهذا ما جعل بن علي يدرك أنه أمام جما هير غاضبة بلاقيادة يستطيع شرائها أو التفاوض معها! ولذا إتجه إلى تقديم سيل من التنازلات والإصلاحات والعطاءات السخية من جهة وإرهاب المتظاهرين من جهة أخرى بالقمع والقنص والمظاهرات المضادة، وهذه الصورة الواضحة في أذهان التونسيين عن هذا النظام المغلق الذي لا يخضع للضغوطات الدولية أو الإحتجاجات السلمية هي التي جعلتهم يستمرون في التصعيد تدريجيا حتى رفعوا شعار [الشعب يريد إسقاط النظام] لأنهم أيقنوا أنهم في معركة بقاء مع بن علي ونظامه وأن أي تراجع من جانبهم في وتيرة الصراع ستكون على حساب أرواحهم!

وقد علمتنا الأحداث الأخيرة أن الثقل الأساسي إنما يكون على الشباب الذين يمثلون الصاعق الذي يفجر طاقات الشعب ويلهمه الشجاعة والجرأة على النظام فكسر حاجز الخوف والرهبة هو النقطة الأهم في بداية الثورة، ويجب كذلك أن يكون هناك أنموذج محلي يقتدى به وقد شاهدنا ذلك في مدينة سيدي بوزيد في تونس ومدينة السويس في مصر فقد كان لهاتين المدينتين سبق الفضل في كسر حاجز الرهبة من الأجهزة الأمنية.

إذن فالأنظمة المغلقة لا يصلح معها الإكتفاء بالإعتصامات أو الإحتجاجات السلمية ومن ثم الإعتماد على وتر الضغوطات الخارجية من قبل المجتمع الدولي أو الضغوطات الداخلية من خلال الأحزاب لإزاحة النظام - ولذلك لم نشاهد في تونس ذاك الحراك السياسي الدولي والحزبي الذي رافق الثورة المصرية وأثر في مشهدها الأخير - وإنما الوصفة الصحيحة هنا هي التصعيد التدريجي والمكثف الذي لا يخلو من العنف إن لزم الأمر حتى يتم تهديد الأمن الشخصي للحاكم من قبل الحشود الغاضبة أي أن التكتيك المناسب هنا هو ذاك الذي لا يدع للخصم فرصة لإلتقاط أنفاسه وهو ما حدث مع بن علي يوما بعد يوم فلم يجد نفسه إلا وهو في جدة!

والأنموذج التونسي هو الذي ينطبق على الحالة الليبية الآن والتي تبشر بكل خير إن استمرت على نفس الوتيرة فقد شمر شباب بنغازي عن سواعدهم وكسروا حاجز الرهبة الذي زرعته أجهزة القذافي الدموية في نفوس أهل ليبيا على مدى الأربعين سنة الماضية، إلا أننا يجب أن ننتبه إلى أننا نخوض معارك تراكمية في الخبرات والأساليب فكما أننا نحاول أن نطور قدراتنا وندرس أخطائنا السابقة فهم بالتأكيد يفعلون أفضل من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت