مهما كلف الأمر وبأي ثمن! والحقيقة أن هذا التوافق الإستثنائي هو السبب الرئيسي في إسقاط نظامي بن علي ومبارك وجعل ثلاثة أنظمة أخرى على حافة الإنهيار فالمراقب لطبيعة قرارات وإجراءات كل نظام لقمع الثورة يرى أنها تصب في اتجاه واحد وهو تفتيت هذا التوافق وتجزأة عناصره وهو الأمر الذي لم ينجح فيه أحد منهم!
والمهم هنا أن حالة التوافق الإستثنائي هذه خاصة بمرحلة الثورة وإسقاط النظام ولا يمكن أن تستمر لما بعد ذلك! وماحدث في تونس ومصر بعد الثورة خير دليل على ذلك وهذا في الأصل يرجع إلى أن العرب قوم لا تصلح لهم الديمقراطية بحال! وهذا ما دندن عليه بعض علماء الإجتماع في الغرب - وهذا من حفظ الله لهم - والدليل على ذلك أن لبنان وهي الكيان الوحيد الأقرب للنظام الديمقراطي في العالم العربي هو نفسه أكثر هذه الأنظمة اضطرابا ولذلك نرى أن مع كل أزمة سياسية في لبنان يتجدد الحديث عن الحرب الأهلية! ولو قلنا أن لبنان له خصوصية فهذا العراق يرزح تحت عتبات الظلم والفقر والتناحر مع أن نظامه الديمقراطي قد صنع على عين أمريكا فالمشكلة ليست في النظام الديمقراطي - على مساوئه - على وجه التحديد ولكن في طبيعة العرب وخصائصهم الإجتماعية التي لا تنقاد إلا للقوي! فالبرامج التي وضعها الخبراء والمختصين الأمريكان في النمو الثقافي والإجتماعي وللتحول نحو الاقتصاد الحديث والنظام الديمقراطي كان من الممكن أن تأتي أكلها لو كانت في بلدان أمريكا الجنوبية أو شرق آسيا أو حتى وسط أفريقيا ولكنهم وبعد أن أنفقوا مئات الملايين على هذه البرامج إكتشفوا أنهم كانوا يحرثون في مياه البحر!
وبالعودة إلى الثورات العربية نرى أن المحصلة الأولى لهذه الثورات هي إزالة النظام القوي الوحيد في البلد ومن ثم تحدث حالة من"توازن القوى"بين المكونات الأخرى سواء كانت بقايا نظام سابق أو الجيش أو المعارضين التقليديين أو شباب الثورة أو الأحزاب الإسلامية أو العلمانية أو غيرهم وعندما لا تنجح هذه المكونات في تحقيق التوافق المطلوب لتشكيل النظام الجديد الحاكم بفعل خصائصهم الإجتماعية التي لا تساعدهم على ذلك تبدأ سحب من الفوضى تتشكل شيئا فشيئا حتى تعم كل شيء وهذا ما بدأت ملامحة تتضح في البلدان التي ضربها زلزال الثورات العربية حتى الآن ففي تونس وحدها تلقت وزارة الداخلية 100 طلب ترخيص لأحزاب سياسية وافقت على 80 منها ومازال البلد في نزاع فكري حول هويته وأهداف ثورته ومع أن الثورة أطاحت ببن علي ثم أطاحت ببقايا النظام إلا أن فرنسا مازالت تتمسك بتونس كمجال حيوي لها ومازالت تحتفظ بأوراق جيدة ومنها ماكشفه وزير الداخلية المقال بأن جنرالات الحرب في الجزائر يحرضون قادة الجيش التونسي على تنظيم إنقلاب في حالة وصول الإسلاميين إلى السلطة تماما كما فعلوا هم مع جبهة الإنقاذ عام 1992 وفي كلا الحالتين يكون الدعم والغطاء فرنسي!