فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 408

هذه اللحظة وتحت ضغط أرقام القتلى والإصابات المتزايدة وأمام هاجس الخوف من تدمير جسور قناة السويس وهي طريق العودة الوحيد للجيش أعطى المشير عامر عبدالحكيم قرار الإنسحاب لجميع الوحدات المقاتلة في سيناء ولكن الخطأ الإجرائي الذي وقع فيه هو أن القرار قد صدر دون خطة لتنظيم حركة انسحاب الجيش فعملية انسحاب سريع لجيش يبلغ تعداده أكثر من 100 ألف جندي بآلياتهم وعتادهم العسكري تحتاج وطبقا لتقديرات قيادة أركان الجيش المصري آنذاك لمدة لا تقل عن ثلاثة أيام بينما المشير قد أصدر قرارا بالإنسحاب الفوري وهو ما تسبب في تزاحم الفرق العسكرية على خط الإنسحاب الممتد من العريش إلى القناة دون أي غطاء من قوات الدفاع الجوي وفي ظل سيطرة الطيران الإسرائيلي على الأجواء فوق سيناء مما جعل من تدمير معظم تلك الأرتال عملية سهلة للطيران الإسرائيلي.

ومن الإنسحابات الفاشلة والكارثية كذلك ما حدث في عملية"عاصفة الصحراء"عندما قرر صدام حسين سحب قواته من الكويت بعد أن أنهكتها الحملة الجوية وبعد أن اخترقت قوات التحالف خطوط الدفاع التي أقامها على الحدود الكويتية السعودية، فتحت ضغط الموقف أعطى صدام حسين قرارا بالإنسحاب العام فتكدست نتيجة لذلك القوات العراقية المنسحبة على جنبات طريق"المطلاع"وهو الطريق الوحيد المؤدي إلى الحدود العراقية وقد كان الأمريكان وطبقا لمذكرات"شوارزكوف"قائد قوات التحالف كانوا قد درسوا مثل هذه الإحتمالية وقرروا مسبقا تدمير أي قوات عراقية منسحبة من خلال هذا الطريق حتى يفقد صدام حسين معظم قواته التي شاركت في عملية الغزو فيخسر بذلك جزء كبير من تعداد جيشه وهو ما حدث بالفعل على طريق المطلاع الذي أطلق عليه بعد ذلك"طريق الموت".

ونلاحظ هنا أن كل تلك الإنسحابات التي صنفت بإجماع المعلقين والنقاد العسكريين على أنها"عمل عسكري فاشل"قد وضعت أساسا لإنقاذ الكتلة البشرية كهدف أصيل لهذه العتبة الحساسة من الحرب ولذلك ينطبق على أطراف الصراع هنا وصف"منتصرين"أو"منهزمين"تماما كما قررناه في فقرة الإنسحابات الناجحة فلو تم انسحاب الجيش العثماني بسلام لاحتفظ بتوازن قواه الإقليمية على الأقل ولو أنقذت القيادة المصرية الجيش من الهلاك لتغيرت معادلة الحرب آنذاك ولو نجح صدام حسين في سحب قواته لما خسر شيئا من عملية الغزو! ولكن الجميع أخفق في إدارة إنسحاب مثالي يظمن سلامة قواته التي سيستمر من خلالها في فرض نفسه على ساحة الحرب.

انسحاب"مؤتة"هزيمة أم إنتصار؟

هناك إنسحابات عسكرية اختلف في تصنيفها من حيث وصفها كعمل عسكري ناجح أو فاشل وهذا ينبع من عدم وضوح المعنى الكامن خلف العملية وما تمثله من تأثير في مجريات الحرب ككل، ومرجع الخلاف يكمن في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت