فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 408

وبعد أن ينقضي غبار المعارك وهذا ما يفسر عدم لجوء قوات التحالف إلى مطاردة الجيش المسلم الذي انسحب بعد ذلك.

أما المعجزة الثالثة فهي ذلك الإنسحاب العبقري الذي قام به خالد بن الوليد وخطط له فور توليه زمام القيادة فقد قدر خالد بن الوليد وهو أخو الحروب الذي لم يهزم في إسلام ولا في جاهلية والذي بشر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة بأنه"سيف الله المسلول"قد أنه لا يمكن الإستمرار في مجابهة ذلك التحالف الضخم فكثرة الإصابات في صفوف الجيش المسلم ستضعفه مع الوقت مع ماهو فيه من قلة عدد وحينها ستختل صفوف المسلمين ومن ثم تسحق تحت اندفاع تلك الجيوش الجرارة وأن العدو وطبقا لأحداث القتال الذي شهده خالد منذ البداية يحرص على استثمار تفوقه العددي للوصول إلى تلك النقطة في الأيام القادمة ولذا قدر خالد بن الوليد أن الحفاظ على سلامة الكتلة البشرية والإنسحاب بها سيقطع الطريق على الفرصة الوحيدة التي صبر من أجلها التحالف الروماني للقضاء على الجيش المسلم ولكي يغطي على عجزة عن ذلك طوال فترة القتال بالرغم من تفوقه العددي.

فوضوح الموقف العسكري عند خالد وما يمكن أن ينتج عنه جعله يأخذ قراره الحاسم بالإنسحاب حتى يحافظ على المكتسبات التي تحققت في قبول المسلمين للمعركة بكل شجاعة وبلا تردد وتحديهم لغطرسة القوى الإقليمية والدولية آنذاك وأخذهم بثأر الحارث بن عمير بعد أن أثخنوا في الروم والغساسنة ومن معهم والهيبة التي اكتسبها المسلمون جراء ذلك فكل هذه المكتسبات قد تنعدم إن نجح التحالف في القضاء على الجيش المسلم ومن أجل هذا الإعتبار أخذ خالد يرتب منذ اللحظة الأولى لتوليه القيادة لعملية الإنسحاب التي علق عليها كثير من النقاد والمحللين في الشرق والغرب قديما وحديثا بأنها عملية"مستحيلة"ومختصر ما جاء في كتب السيرة والغزوات والبحوث التي تناولت هذه العملية أن خالد بن الوليد اعتمد على"خطة خداعية"يسحب من خلالها كتائبه المقاتلة ويفك الإشتباك مع العدو دون أن يلحظ العدو حقيقة ما يحدث وذلك عبر أربع إجراءات تكتيكية فأولا أمر خالد بأن تظل الخيل طوال الليل تجري في حركة دائبة لتثير الغبار ثم في الصباح الباكر قام بتغيير تشكيلة الجيش فجعل الميمنة ميسرة وبالعكس والمقدمة مؤخرة وبالعكس فظن التحالف الروماني أن المسلمين قد أتاهم مدد الليلة الماضية فحبطت معنوياتهم جراء ذلك ثم وضع خالد عددا من الجنود على مسافة على إحدى التلال خلف الجيش لإثارة الغبار أيضا فتأكد الظن عند الرومان بأنه مدد متواصل وأخيرا أخذ خالد يتراجع بالجيش تدريجيا إلى الصحراء فشك الرومان بأنها خديعة لما ربطوا ذلك بالإشارات التي رصدوها من الغبار البعيد والمدد الجديد فنجح خالد في سحب الجيش بدون اشتباك وفي تجميد الجيش الروماني في مكانه.

ونلاحظ بعد هذه الغزوة أن عامة المسلمين قد تعاملوا سلبيا مع نتيجة المعركة وفهموا على أنها هزيمة ولذا خرج بعض الصبيان على مشارف المدينة ليرموا الجيش العائد بالحجارة ويصمونه بالجبن والهرب بل إن من أوساط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت