واستحضر النظام في تطوير هذه الإستراتيجية دروس الحرب الأهلية في لبنان فحرص على جلب العناصر الشيعية من الخارج ورفع لواء العنف الطائفي المفرط منذ أول يوم وكل تلك المشاهد التي يسب فيها الله وتقصف فيها المآذن ويهان فيها أهل الدين كانت بقصد دفع الشعب السوري إلى التخندق كل خلف طائفته .. فيرفع أهل الإسلام شعارهم ويلتم النصيرية على بعضهم وينشغل الأكراد بمشروعهم القومي وينأى النصارى بأنفسهم عن مثل ذلك مع بقية الدروز والأقليات .. وبذلك تتفكك تركيبة الثورة وتتحول إلى حرب أهلية وتتحول معها الضغوطات الدولية والإقليمية من المطالبة بتنحية الأسد كمخرج من الأزمة إلى محاولة جمع جميع الأطراف إلى ما يشبه"مؤتمر الطائف"للوصول إلى ذلك المخرج وهذا ما يمهد له كوفي عنان حاليا!
والحقيقة أن النظام قد قطع شوطا لا بأس به على طريق الوصول إلى تلك النتيجة فتنحي بشار الأسد الآن أو مقتله لن يوقف الركض في الماراثون الجماعي نحو الحرب والثأر! وقد حقق النظام أيضا وقبل ذلك نجاحا ملحوظا في تغيير مزاج الثورة فما كان يطرح سابقا من سلمية الثورة وعدم التدخل الخارجي ونبذ الطائفية لم يعد له وجود على الأرض خصوصا بعد أحداث بابا عمرو وما تلاها في أدلب إلا أن الأسابيع القليلة الماضية قد سجلت حركة نزوح وتهجير ممنهجة ومدفوعة من قبل الجيش النظامي في مناطق وقرى أهل السنة في جبال النصيرية مقابل الساحل الشامي وهذا مؤشر واضح على قرب لجوء النظام السوري إلى الحل الأخير والدولة العلوية ومؤشر أيضا على فشل مراهناته برضوخ الثورة قبل ذلك! إلا أن ذلك لا يعدوا إلا تهيأة لخط الرجعة وليس شروعا فيه فما زال أمام النظام أحد طريقين أعتقد بأنه سيضعهما أمام عينيه قبل الدخول في مخبأه وإعلان دولته!
الطريق الأول يتعلق بتثبيت الموقف العسكري عند الحد الذي يسمح بجمع شتات الكتائب المنضوية تحت مسمى الجيش الحر خصوصا إن حملت له الأيام منطقة عازلة تحت غطاء دولي أو إنساني أو حاجز عسكري من قوات عربية كما حدث في بيروت إبان الحرب الأهلية عندما فصلت القوات العربية بين أطراف النزاع وهو ما تطالب به قطر وأمانة الجامعة العربية، وهذا الوضع سيشكل آخر ورقة بيد الثورة وآخر أمل للثوار بعد أن جربوا السلمية وتطلعوا للحماية الدولية ولم يخرجوا بطائل وبعد أن دفعوا من دمائهم وأعراضهم ثمن كل يوم إضافي في الثورة وبعد أن انقطعت علائق نفوسهم بالغرب والشرق والقريب والبعيد عند هذه اللحظة سيتطلع الجميع إلى نتيجة المعركة ليحدد موقفه وعندها فقط قد ينقض النظام بأسلحته المتفوقة جوا وبرا على الكتائب قبل أن تتقن القتال من مراكزها الجديدة فهذه الكتائب عبارة عن إنشقاقات فردية من أسلحة وأفرع مختلفة وشبه جماعية في حالات أخرى إلا أن سوادها الأعظم من المتطوعين وإن كانت حروب العصابات تستوعب مثل هذا الخليط إلا أن الحروب النظامية لا تسمح بذلك وهذا بموازاة التفوق الكمي والنوعي لدى الجيش النظامي سيجعل سحق مثل تلك الكتائب الغير متجانسة في معركة مفتوحة أو شبه