حتى تنزجر بقية المدن عن فعل ذلك وتحدث عملية تأنيب وتأليب داخلي شعبي ضد أي نشاط مسلح يستخدم محيطه للعمل - وهذا ما بدأ الكلام حوله بعد عمليات قصف حمص وإدلب - ومع تلك البداية وفي تلك الأيام قمت ببحث موسع حول الخيارات الممكنة لتجنب المزالق التي يستفيد منها النظام في تعامله مع الثورة ولإستثمار الظروف الجديدة في المنطقة وراجعت التوصيات التي دونت في كتاب"التجربة السورية"والذي يعتبر أهم مرجع للثورة الأولى والحقيقة أني لم أجد من بين تلك التوصيات ما يساعد على صياغة إستراتيجية عمل فالتوصيات كانت عبارة عن خبرات نتجت عن تجارب عمل مع النظام والشعب والحركات الإسلامية والسياسية ومع العمل الجهادي نفسه، والكتاب جيد في فهم هذه المكونات إلا أننا الآن بحاجة إلى أسلوب عمل يتماشى مع الصراع المحلي والإقليمي والدولي ويوظفه لصالحه!
ولذا واصلت البحث بشكل مستقل والحقيقة أني كنت أصل إلى نفس النتيجة في كل مرة! وأذكر حينها أني كنت أتناقش مع أحد الأخوة الأفاضل عن الوضع العسكري المتوقع في سوريا وكان يقول بما روجه بعض المحللين ومعارضي النظام ومسؤولي التنسيقيات من أن سقوط النظام مسألة وقت لا أكثر! إلا أني شرحت له وجهة نظري في أن النظام قوي في بنيته الطائفية وتحالفاته الإقليمية والدولية وأن الناس سوف يكررون نفس الأخطاء ولن يخرجوا بنتيجة! فقال لي: إذن وما الحل؟ فقلت: الحل في تورا بورا!!
في عام 2003 إلتقيت بمهندس تحصينات تورار بورا التي صمد فيها المجاهدون لأكثر من شهر تحت القصف الأمريكي العنيف وكان ضابطا سابقا في أحد الجيوش العربية، وقد أسند إليه الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله مهمة بناء خنادق وتحصينات تورار بورا لخبرته الجيدة في ذلك وبعد أن شرح لي التفصيلات الخاصة بالخنادق وطريقة العمل قال لي أن الغرض من موقع تورا بورا أن الشيخ أسامة أراد أن يصمد العرب في موقع حصين ومجهز ذاتيا ولو سقطت أفغانستان كلها في يد الأمريكان!
لأن الشعب الأفغاني لن يلقي السلاح وسيظل يقاتل مادام العرب يقاتلون وقد بنى تصوره هذا على معرفته الجيدة بطبيعة الشعب الأفغاني وقد جاءت الأيام بصدق ذلك ولذلك ما زال المجاهدون العرب يحافظون على تواجد وتمثيل رمزي في عدة جبهات أفغانية لعظيم الفوائد التي تحصل بسبب ذلك.
هذا بالنسبة للغرض الإستراتيجي أما الأغراض التكتيكية فتمثلت في نقطتين، الأولى أن القتال من موقع تورا بورا سيجنب السكان المحليين القصف الجوي العنيف الذي يطال كل قرية أو مدينة تأوي المجاهدين ولذلك إضطر أكثر المجاهدين العرب إلى مغادرة أفغانستان بعد أن تسبب وجودهم في مآسي كبيرة للسكان لدرجة أن قرية أراد المجاهدون دخولها فقيل لهم: إما أن تدخلوا فنخرج أو تتركونا بسلام!
أما النقطة الثانية فهي أن القتال من موقع تورا بورا سيظمن إستمرار الصراع بالشكل الذي سيفشل أي مشروع سياسي أمريكي لإدارة البلاد وهو ما حدث في انحياز المجاهدين إلى تورا بورا وشاهي كوت وبقية