تحدثت هذه الآية عن حكم المسافر إذا كان جُنُبًا ولم يجد الماء أنه يتيمم، وتحدثت الآية الثانية التى بعدها عن نفس الموضوع ففيه تكرار.
? واستدل الذين قالوا بالقول الثاني وهو أن المقصود: النهي عن قربان الصلاة: بأن المساجد ليس لها ذكر في هذه الآية، وإنما الآية تتحدث عن الصلاة، فما دخل مواضع الصلاة، فكل الكلام في هذه الآية عن الصلاة، فنحمل"وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ"يعني على الصلاة.
? والراجح -إن شاء الله-: أن الآية تتحدث عن موضع الصلاة وعن الصلاة، ويكون اختلاف السلف هنا من باب اختلاف التنوع لا التضاد، وهذا القول الثالث اختيار شيخ الإسلام - رحمه الله -، وهو القول الذي ينبغي المصير إليه.
ومازال الناس يحملون المنقول عن الصحابة على اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، كذلك هنا نحمله على هذا المحمل ونقول:
الصحابة فسروا الآية أحيانًا ببعض أجزائها ببعض المراد منها تارة بالصلاة وتارة بموضع الصلاة.
ولو أردنا أن نُرجح لقلنا القول بأنه المراد بالآية موضع الصلاة أقوى وألصق بالآية وأقرب في المعنى وأكثر للفائدة.
وإذا كنا نُرجح تفسير ابن مسعود هذا الذي يتحدث عن موضع الصلاة نكون هنا لو صح التفسير نكون رجحنا تفسير ابن مسعود على تفسير ابن عباس ولا غرابة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان دعا لابن عباس فهذا لا يعني أن تكون جميع أقواله في التفسير هي الراجحة وهي الصواب، لكن يكون لقوله مزية في العام الأغلب.
الحاصل: أن هذه الآية:"وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ"الأقرب: أنها تتحدث عن الصلاة وعن موضع الصلاة، وإذا كانت تتحدث عن الصلاة وعن موضع الصلاة صارت دليلًا صحيحًا للقائلين بالمنع؛ لأن الآية نهت الجُنُب أن يدخل المسجد إلا على سبيل المرور فقط، عابر سبيل، ومعنى هذا: أنه لا يجوز له أن يمكث في المسجد.
••الدليل الثاني: الأثر المروي عن عطاء بن يسار - رضي الله عنه - أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا ينامون في المسجد وهم جُنُب إذا توضئوا أو كانوا يمكثون في المسجد وهم جُنُب إذا توضئوا، وجه الاستدلال واضح جدًا وهذا الأثر إسناده جيد، وجه الاستدلال بالأثر: أن هذا التابعي أخبر أن الصحابة لا يمكثون في المسجد إلا إذا توضئوا، مفهوم هذا الأثر: أنه لا يمكثون في المسجد إذا لم يتوضئوا يعني: فهم ممنوعين من المكث في المسجد قبل الوضوء وهو واضح جدًا في الدلالة على هذا الحكم.