وإلى هذا القول ذهب: المُزني والظاهرية وابن المنذر وزيد بن أسلم فقط هؤلاء.
والصواب: أن هذا القول لا يثبت عن زيد بن أسلم، إسناده ضعيف.
إذًا إذا تم لنا هذا إذا صح هذا يكون أول من قال بالجواز المُزني يعني: استمروا على المنع إلى أن جاء المُزني وقال بالجواز ثم اختاره ابن المنذر والظاهرية.
ودليلهم كما قلتُ: أنه لا يوجد دليل صحيح يمنع الجُنُب من المكث في المسجد، وحملوا الآية على أن المراد النهي عن قربان الصلاة، وعدَّ بعض المتأخرين هذا القول بأنه قول شاذ؛ لأنه لا يُعرف في السلف ولم يُعرف قائل به قبل المُزني على القول بأنه لم يثبت عن زيد بن أسلم وهو كذلك لم يثبت عنه.
هذا ولابد أنك تأخذ باعتبارك ما قيل في الحديث وأن ضعف هذا الحديث ليس ضعفًا شديدًا، حتى وإن قلنا أن الصواب أنه ضعيف لكن ضعفه ليس ضعفًا شديدًا.
2)نأتي إلى المسألة الثانية: وهي مكث الحائض:
-الدليل الأول: حديث الباب، وعلمت ما فيه من كلام.
-الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت. ... فقالوا: سبب منعها من الطواف أنها حائض.
-وهذا الدليل ليس بصحيح؛ لأن منعها من الطواف أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وليس سببه أن الحائض ممنوعة من دخول المسجد، وإن كان هذا مانعًا لكن المانع الأصلي: هو أن الطهارة شرط لصحة الطواف من الحدث الأكبر.
-الدليل الثالث:"عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: ناوليني الخُمرة من المسجد فقالت: يا رسول الله إني حائض، قال: إن حيضتكِ ليست في يدكِ"يتممه ويكمله الدليل الرابع.
-الدليل الرابع: وهو ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة أنه قال:"بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد إذ قال: يا عائشة ناوليني الثوب، فقالت: يا رسول الله إني حائض، فقال:"إن حيضتكِ ليست في يدكِ"."
وحديث عائشة هذا الأول، وحديث أبي هريرة هذا من وجهة نظري أنا: أنه نص في المسألة، سبب ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال لعائشة: ناوليني الثوب، قالت: إني حائض، ماذا يُفهم من قول عائشة: إني حائض؟ لا يُفهم إلا احتمال واحد: أنها رأت أنها وهي حائض لا يصلح أن تمد الثوب إلى داخل المسجد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُنكر عليها قولها أنها حائض، وإنما بين لها أن حيضتها ليست في يدها، فإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - واضح لعائشة التي كانت تفهم أن الحائض لا يُناسب أن تدخل المسجد.
وأنا في الحقيقة أتعجب من الذين لا يرون أن في هذا الدليل كفاية، بل هو بالنسبة لي نص، نص في منع الحائض من دخول المسجد.
-الدليل الخامس: أن عائشة قالت:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرني (فأتزر) ويُباشرني وأنا حائض، وكان يُخرج إلي رأسه من المسجد فأُرجله وأنا حائض وهو معتكف"، هنا أيضًا نقول: عائشة لما قالت:"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُباشرني وأنا حائض"، كانت تريد الإشارة إلى أن مباشرة المرأة تجوز وهي حائض، كما أن ترجيلها لرأس زوجها وهو في المسجد تجوز وهي حائض، فماذا يُفهم من هذا الحديث؟
أن الأصل المنع، يعني: كأنها تقول: كنتُ أرجله وهو في المسجد وأنا حائض، فإذن يُفهم من هذا: أنها ترى أنه تُمنع المرأة من دخول المسجد، وهذا أيضًا واضح جدًا، فيه دلالة واضحة جدًا على منع دخول الحائض المسجد.
-الدليل الأول: أن الأصل: عدم منع الحائض من دخول المسجد ولا يوجد دليل صحيح يدل على المنع.
-الدليل الثاني: أن وليدة من إماء العرب أعتقها أهلها، فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسلمت وضرب لها النبي - صلى الله عليه وسلم - خباء في المسجد فكانت تجلس فيه.
وجه الاستدلال ظاهر؛ لأن هذه المرأة التي ضُرب لها خباء في المسجد لابد أنها ستحيض، ومع ذلك أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - مكثها في المسجد وهو حديث صحيح.
والجواب على هذا الحديث القوي للقائلين بجواز دخول المرأة: أن هذه حادثة عين لا عموم لها.
وهذه القاعدة هي عكس قاعدة: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) ، ما معنى حادثة عين لا عموم لها؟ يعني: أن هذه الحادثة تختص بالصورة التي جاءت في سياقها ولا تعم الحكم كله.
مثال يُوضح هذا: النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المعازف، وهذا يدل على نهيه عن ضرب الدفوف، ثم نذرت جارية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن عاد سالمًا تضرب الدف على رأسه، قال العلماء: فهذا قضية عين لا عموم لها.
ما معنى قضية عين لا عموم لها؟ يعني: لا نأخذ من حديث الجارية جواز ضرب الدفوف مطلقًا، وإنما نأخذ منه جواز هذه الصورة فقط فهي تختص بحادثة العين.