فهرس الكتاب
الأعيان، وهذا مما خالفوا به جميع الرسل و أتباعهم، وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل أهم من تقرير رؤيته لربه تعالى (أي في ليلة الإسراء) فإن رؤيته لجبريل أصل الإيمان الذي لا يتم إلا باعتقادها ومن أنكرها كفر قطعًا، وأما رؤيته لربه تعالى [1] فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق، وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره، وحكى عثمان بن سعيد الدارمي [2] اتفاق الصحابة على ذلك، فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى )) [3] لماذا؟ يجيب على هذا ابن القيم بقوله:"وإن كانت رؤية الرب أعظم من رؤية جبريل ومن دونه فإن النبوة لا يتوقف ثبوتها عليها البتة" [4] بخلاف رؤية جبريل التي تمثل شرطا لثبوتها.
المسألة الثالثة: القول بأن اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس شرطًا:
فقد عده ابن القيم من اعتقادات الزنادقة و الملاحدة، عندما وقف مع كلمتين رُويتا عن الجنيد [5] - رحمه الله -، تقول إحداهما: (المريد الصادق غني عن العلماء) ، والثانية بمعناها وقد بين أنها كلمة مجملة تحتاج إلى تفسير، فإما أنه قصد بذلك أن المريد ببركة صدقه مع الله، يستغني عن العلوم التي هي فضلة، وعن نتائج أفكار الناس وآرائهم فذاك"، وأما أن يغنيه صدق إرادته عن علم الحلال والحرام، وأحكام الأمر والنهي، ومعرفة العبادات وشروطها و واجباتها ومبطلاتها، وعن علم أحكام الله ورسوله على ظاهره وباطنه، فقد أعاذ الله من هو دون الجنيد فضلًا عن سيد الطائفة وإمامها، وإنما يقول ذلك قطاع الطريق، وزنادقة الصوفية وملاحدتهم، الذين لا يرون اتباع الرسول شرطًا في الطريق" [6] .
(1) أي في الدنيا أما رؤية الله في الآخرة فقد سبق أن منكرها كافر عند الإمام أحمد كما نقل عنه ابن القيم [يُنظر المبحث الأول من هذا الفصل: مطلب مكفرات قولية في باب الإيمان بالله وتوحيده ص 81] .
(2) هو عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي أبو سعيد، أحد الأئمة الحفاظ، أخذ عن علي بن المديني وأحمد بن حنبل وغيرهما، وطوف الأقاليم في طلب الحديث ولد قبل المائتين بيسير، وتوفي سنة (280 هـ) . [يُنظر سير أعلام النبلاء للذهبي /148 - الدارمي: عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد 13/ 319] .
(3) (التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم، ت طه يوسف شاهين، دار الكتب العلمية، 1402 هـ/ فصل ثم ذكر سبحانه المقسم عليه .. ، ص 78.
(4) المصدر السابق / فصل ثم ذكر سبحانه المقسم عليه .. ، ص 78.
(5) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي، الأستاذ العارف وشيخ الصوفية الزاهد العابد المتأله الناطق بالحكمة، رزق ذكاء وعلمًا وعملًا ولد سنة نيف وعشرين ومائتين وتوفي سنة (298 هـ) ، [يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي / 34 - أبو القاسم الجنيد بن محمد 14/ 66] .
(6) (مدارج السالكين لابن القيم / منزلة"إياك نعبد وإياك نستعين"منزلة الإرادة 2/ 367.