2 -اختلاف الفقهاء في مسألة السكران المتعدي بسكره، فمنهم من يكفره إذا صدر منه ما هو مكفر وهو قول الجمهور، ومنهم من لا يكفره وهو قول الحنفية وبعض الشافعية ورواية عن مالك، وبه قال ابن القيم وعمم ذلك على كل ما يصدر منه لعدم وجود التمييز والقصد، وهنا يظهر ميل ابن القيم إلى الأيسر في مسائل التكفير - وإن خالف الجمهور - على خلاف ما يظن به من لا يعلم منهجه، من أنه من المتشددين المسارعين في التكفير.
المطلب الثاني:
احتمال القصد أو انعدامه بأي عارض
وما سنذكره هنا من موانع هي في الغالب داخلةٌ في عموم ما سبق ذكره، لكنه نص عليها في مواطن، فحسُن ذكرها وإفرادها بهذا المبحث، ليُعلم بذلك العلة الجامعة بينها وبين ما سبق، وإذا عُلمت العلة أمكن إلحاق مالم يُذكر بما ذكر لاجتماعهما في نفس العلة، وذلك حتى لا يظن ظان أن الموانع المذكورة منصوص عليها على سبيل التعيين والحصر ... فمن تلك الموانع التي نص عليها ما هو مبين في الفروع الآتية:
الفرع الأول: احتمال القصد:
فقد يقول الإنسان كلمةً تحتمل في قصدها واحدًا من شيئين أحدهما مكفر والآخر غير مكفر، فهل يكفر بمجرد هذا الاحتمال؟؟ قد سبق معنا أن من ثبت إسلامه بيقين فلا يخرج منه إلا بيقين ... وهنا لايقين مع وجود الاحتمال حتى يزول، ومتى لم يزل ذلك الاحتمال بقي الشخص على أصل إسلامه اليقيني .. هذا هو مقتضى قواعد الشرع، ومقتضى الضوابط العامة التي ذكرناها في المبحث الأول من هذا الفصل لاسيما وجوب الاحتياط في التكفير، وحمل المجمل على المفصل .. ومع ذلك فقد نص ابن القيم على هذا المانع مفردًا حينما نقل عن ابن عقيل في كتابه الفنون ما يلي (( سئل أحمد بن حنبل- رضي الله عنه- عن رجل سمع مؤذنًا يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله فقال: كذبت فقال:"لا يكفر لجواز أن يكون قصده تكذيب القائل فيما قال لا في أصل الكلمة، فكأنه قال: أنت لا تشهد هذه الشهادة كقوله: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [1] ) [2] أي فشهادتك كشهادة المنافقين الذين قالوا نشهد إنك لرسول الله وهم كافرون به كاذبون في شهادتهم، فاحتمال الوقوع في الكفر بهذه الكلمة وارد لكن التكفير لا يكون بمجرد الاحتمال بل لابد فيه من يقين، ومادام احتمال القصد الآخر واردًا أيضًا، فيبقى القائل على أصل إسلامه."
الفرع الثاني: استحكام الحزن أو أي عارضٍ نفسيٍ آخر:
بحيث يصير صاحبه مقهورًا مغلوبًا على عقله، فإنه لا يختلف في هذه الحالة عن الغضب الشديد الذي يزول به العقل، ولأنه إذا استحكم وقهر صاحبه كان كلامه غلقًا لا قصدًا للوقوع، فأشبه المصروع المغلوب في
(1) المنافقون: 1
(2) بدائع الفوائد لابن القيم / في الأذان في الفنون سئل أحمد بن حنبل ... ، 4/ 1384.